تفاقمت أزمة مياه الصرف الصحي في قطاع غزة إلى مستويات خطيرة، مع تصريف نحو 55 ألف متر مكعب يوميًا دون معالجة، بينها 40 ألف متر مكعب تضخ مباشرة إلى البحر، و15 ألف متر مكعب أخرى تتسرب إلى البيئة عبر الحفر الامتصاصية وتسربات الشبكات، ما يهدد بتفاقم التلوث البيئي والمخاطر الصحية، خصوصًا في مناطق النزوح المكتظة، وذلك جراء توقف محطات المعالجة جراء الحصار الإسرائيلي ومنع دخول السولار والمعدات الخاصة.
ويعيش آلاف النازحين على شاطئ خان يونس جنوب قطاع غزة وسط روائح مياه الصرف الصحي المتدفقة إلى البحر، وانتشار الذباب والبعوض والحشرات، في ظروف إنسانية وصحية قاسية.
وقال النازح عمر أبو حماد، من بني سهيلا: "مش عايشين بالمرة هانا، ولا حاسين بريحة الحياة خالص"، واصفًا معاناة النازحين مع مياه الصرف الصحي والروائح الكريهة التي تحاصر خيامهم ليلًا ونهارًا.
وأوضح أبو حماد أن مياه الصرف الصحي تُضخ باتجاه البحر بصورة متكررة، مشيرًا إلى أن لون المياه تغير من الأزرق إلى الأسود، فيما تتزايد الحشرات والروائح في محيط أماكن النزوح.
بدوره، قال النازح سالم قشطة، القادم من رفح، إن خيمته تبعد نحو 50 مترًا فقط عن إحدى نقاط تصريف مياه الصرف الصحي، مؤكدًا أن انتشار الروائح والذباب والبعوض جعل المنطقة غير صالحة للسكن، وأنه يمنع الأطفال من الاقتراب من البحر خشية تعرضهم للأمراض والتلوث.
وتكشف بيانات سلطة المياه حجم الانهيار الذي أصاب منظومة الصرف الصحي في القطاع، إذ توقفت محطات المعالجة الرئيسية الخمس عن العمل، بينما تعمل 18 محطة ضخ بصورة جزئية فقط من أصل نحو 74 محطة كانت تعمل قبل الأزمة.
وبذلك لم تعد تعمل سوى نحو 24% من محطات الضخ السابقة بصورة جزئية، فيما تراجعت نسبة السكان المخدومين بشبكات الصرف الصحي من أكثر من 85% إلى نحو 45%، أي بانخفاض يقارب 40 نقطة مئوية.
أما قدرة معالجة مياه الصرف الصحي، فقد انهارت من نحو 185 ألف متر مكعب يوميًا قبل الأزمة إلى الصفر حاليًا، باستثناء أعمال التأهيل الجارية في محطة الشيخ عجلين، ما يعني فقدان القدرة التشغيلية السابقة على معالجة مياه الصرف الصحي بصورة شبه كاملة.
وفي ظل هذا الانهيار، يتم تصريف نحو 55 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يوميًا دون معالجة، منها نحو 73%، أو 40 ألف متر مكعب، تضخ مباشرة إلى البحر، بينما تتسرب النسبة المتبقية، البالغة نحو 27%، إلى البيئة عبر الحفر الامتصاصية وتسربات الشبكات.
وتعمل الجهات المختصة على تنفيذ تدخلات عاجلة لدعم محطات الضخ وتوفير الوقود، إلى جانب إصلاح نحو 20 محطة ضخ وشبكات صرف صحي حرجة، ومعالجة نحو 900 نقطة ذات أولوية بيئية وصحية.
كما تشمل الاستجابة عمليات شفط وضخ طارئة باستخدام المعدات الثقيلة، وتقييم الأضرار التي لحقت بـ44 محطة ضخ ونحو 385 كيلومترًا من شبكات الصرف الصحي.
وتتركز خطط التأهيل على إعادة تشغيل محطة معالجة الشيخ عجلين على مرحلتين، بقدرة أولية تبلغ نحو 22 ألف متر مكعب يوميًا بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، على أن ترتفع قدرتها لاحقًا إلى نحو 65 ألف متر مكعب يوميًا.
وتحتاج الاستجابة العاجلة إلى الوقود والمضخات والمولدات وقطع الغيار وشاحنات الشفط والتنظيف والمعدات الثقيلة، إلى جانب توفير حلول مؤقتة للصرف الصحي في مواقع النزوح.
وحذرت سلطة المياه من أن استمرار تصريف مياه الصرف الصحي دون معالجة يفاقم تلوث البحر والبيئة ويهدد الصحة العامة، مؤكدة أن إعادة تشغيل منظومة الصرف الصحي وتأهيل بنيتها التحتية باتت أولوية عاجلة لحماية السكان والبيئة.
وتزداد خطورة الأزمة مع اقتراب موسم الأمطار، إذ يمكن أن يؤدي اختلاط مياه الصرف الصحي بالمياه المتجمعة في مناطق النزوح إلى زيادة مخاطر الأمراض وتلوث البيئة، في وقت يعمل فيه النظام الصحي في غزة وسط إمكانات محدودة واحتياجات متزايدة.
وفي غزة، لا تقتصر أزمة الصرف الصحي على تلوث البحر؛ فـ55 ألف متر مكعب من المياه الملوثة يوميًا تعني خطرًا يتسلل إلى أماكن نوم النازحين وطعامهم وأطفالهم، فيما يعيش السكان بين خيام تفتقر إلى الحماية وبنية تحتية انهارت قدرتها على توفير أبسط مقومات الحياة الآمنة.

