نعيش زمناً باتت فيه المأساة تصل إلينا لحظة وقوعها. نرى الطفل تحت الركام، والعائلة على طريق النزوح، والجائع ينتظر المساعدة، والمريض يبحث عن دواء. نرى كل شيء تقريباً، لكن المفارقة المؤلمة أننا، حتى أمام الوجع الإنساني، لم نعد نتفق.
ندخل إلى المأساة من أبواب السياسة، ونقرأ الضحية من خلال هويتها، ونزن الألم بميزان المصالح، حتى بات التضامن في كثير من الأحيان انتقائياً؛ تحضر مأساة بقوة، بينما تمر أخرى بصمت، ويُسمع صوت ضحايا هنا، فيما يصبح الألم في مكان آخر خبراً معتاداً.
وهنا تكمن المشكلة.
فالإنسانية التي تحتاج إلى معرفة هوية الضحية قبل أن تتعاطف معها، تحتاج إلى مراجعة معنى الإنسانية نفسها.
ليس المطلوب أن يتخلى الناس عن مواقفهم، ولا أن تتوقف الدول عن مصالحها، ولا أن نختصر الصراعات المعقدة بشعارات عاطفية. فالظلم يجب أن يسمى ظلماً، والعدالة لا تتحقق بتجاهل أسباب المآسي.
لكن بين الموقف السياسي والواجب الإنساني يجب أن تبقى هناك مساحة لا تخضع للمساومة: حياة الإنسان وكرامته.
فالطفل الجائع لا يحمل مسؤولية الحرب، والمريض لا ينبغي أن يدفع ثمن موقف سياسي، والنازح ليس بنداً في مفاوضات، والأم التي تبحث عن مأوى لأطفالها لا يمكن أن تنتظر توافق العالم على تفسير المأساة.
هذه ليست شعارات مثالية، بل جوهر الفكرة التي قام عليها العمل الإنساني.
لكن العمل الإنساني نفسه يقف اليوم أمام اختبار صعب.
لقد أصبح قطاعاً واسعاً، له مؤسساته وميزانياته ومشاريعه ومؤتمراته وتقاريره ومؤشراته. وهذا التطور كان ضرورياً ليصبح العمل أكثر مهنية وقدرة على الوصول والتأثير. لكن الخطر يبدأ عندما يصبح النظام أهم من الإنسان الذي أُنشئ النظام لخدمته، أو عندما تتقدم الحسابات السياسية والتمويلية والجغرافية على حجم الحاجة الفعلية.
فالإنسان ليس مشروعاً، والمحتاج ليس رقماً، واللاجئ ليس إحصائية، والطفل الذي ينتظر الطعام لا يعرف شيئاً عن أولويات المانحين.
خلف كل رقم يُكتب في تقرير إنساني حياة كاملة.
خلف عبارة «عائلة نازحة» بيت تُرك خلفها، وذكريات، ومدرسة، وأصدقاء، ومستقبل أصبح مجهولاً.
وخلف كلمة «ضحية» إنسان كان قبل لحظات يملك اسماً وحلماً وخطة للغد.
لذلك فإن التحدي الأكبر أمام العمل الإنساني اليوم ربما لا يكون فقط في جمع المزيد من الأموال أو الوصول إلى المزيد من المناطق، بل في الحفاظ على الإنسان في قلب العمل الإنساني.
أن نساعده لأن حاجته تستوجب المساعدة، لا لأن قضيته أكثر حضوراً.
أن نحمي كرامته كما نحمي حياته.
أن نراه إنساناً قبل أن نراه مستفيداً.
وأن ندرك أن نجاح العمل الإنساني لا يقاس فقط بعدد الوجبات التي وُزعت أو الخيام التي نُصبت أو الأموال التي أُنفقت، بل بقدرته على أن يعيد للإنسان شيئاً من قدرته على الوقوف والحياة والأمل.
وفي اليوم العالمي للعمل الإنساني، ربما علينا أن نذهب أبعد من الاحتفاء بالعاملين في هذا المجال، على ما يستحقونه من تقدير، إلى مراجعة السؤال الأكبر:
أي عمل إنساني نريد؟
نريد عملاً لا يسأل الجائع عن هويته، ولا الطفل عن جنسيته، ولا المنكوب عن موقفه.
عملاً يستطيع الوصول إلى الإنسان عندما تعجز السياسة عن الوصول إلى حلول.
عملاً يقف إلى جانب الضحية من دون أن يحولها إلى أداة في صراع آخر.
وعالماً يفهم أن الاختلاف على أسباب المأساة لا يبرر أبداً الاختلاف على حق ضحاياها في الحياة والكرامة.
قد يبدو ذلك صعباً في زمن شديد الاستقطاب، لكنه ربما يكون آخر الخطوط التي يجب ألا نتنازل عنها.
يمكن أن نختلف على الحدود، وعلى السياسة، وعلى المصالح، وعلى تفسير التاريخ، وعلى شكل المستقبل.
لكن يجب ألا نختلف على طفل يريد أن يعيش، أو جائع يحتاج إلى طعام، أو مريض ينتظر دواءً، أو عائلة تبحث عن مكان آمن.
فالسياسة بطبيعتها مساحة للاختلاف، أما الإنسانية فيجب أن تبقى مساحة للالتقاء.
وفي عالم يزداد انقساماً كل يوم، لعل أجمل ما يمكن أن نستعيده في اليوم العالمي للعمل الإنساني هو هذه الحقيقة البسيطة:
حين يختلف العالم… فلنتفق على الإنسان

