الجزيرة نت
في ظل واحدة من أطول وأعنف الحروب التي مر بها قطاع غزة (2023–2025)، يعيش العمل الإغاثي والإنساني تحديات غير مسبوقة تمسّ جوهر وجوده، لا سيما في ظل تزايد حجم الدمار واتساع رقعة النزوح وغياب المقومات الأساسية للحياة، حيث باتت الجهود الإغاثية تمثل خط الدفاع الأخير عن بقاء السكان وصمودهم.
وبلغة الأرقام، وخلال عامين من حرب الإبادة، فإن قرابة 90% من الأبنية السكنية دُمرت كليا أو جزئيا، والتي أدت إلى تكدس 55 مليون طن من الركام وحطام المنازل والمنشآت، في حين تقدر كلفة الإعمار بين 70 مليارا و90 مليار دولار، وذلك وفق بيانات الأمم المتحدة.
عن نشأة هذه الهيئة، ودورها، وحقيقة العمل الإغاثي في غزة اليوم، حاورت الجزيرة نت رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة الدكتور عصام يوسف، فكان الحوار كالتالي.
تأسست استجابة للظروف الإنسانية والمعيشية الصعبة في قطاع غزة، خاصة مع استمرار الحصار الإسرائيلي منذ عام 2007 والحروب المتكررة.
تضم ناشطين ومتطوعين وشخصيات عامة من دول عدة، مهمتهم تحريك الرأي العام، وحثّ المؤسسات الخيرية والإغاثية على أداء دورها بما يتوافق مع احتياجات الشعب الفلسطيني، وتسعى إلى كسر الحصار المفروض عليه، وفضح الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية في المحافل الدولية.
تعمل الهيئة على توضيح واقع غزة للعالم وتشجيع المؤسسات على التدخل الإنساني الفاعل.
أما سياسيا، فقد نشأت في ظل ضعف المواقف الرسمية العربية والدولية، والحاجة إلى حراك شعبي دولي منظم يعمل بالتوازي مع المؤسسات الحقوقية والإعلامية والإنسانية.
مهمتنا أن نسوّق واقع غزة في الفعاليات الدولية ونحشد الدعم عبر القنوات الشعبية والحقوقية والإعلامية، لتبقى غزة حاضرة في الضمير العالمي.
وقد شكّلت مبادرة "أميال من الابتسامات" إحدى أذرعنا التنفيذية في القطاع، وامتدت لتشمل العديد من الحملات الإنسانية.
في البداية، ركزت على تنظيم القوافل الإغاثية والتضامنية مثل "تحيا فلسطين" و"أميال من الابتسامات"، ثم توسّع الدور بين عامي 2010 و2020 ليشمل تنظيم مؤتمرات وورش وملتقيات في عواصم عربية وغربية للتعريف بمعاناة غزة.
أسّسنا شبكة علاقات مع مؤسسات حقوقية وإعلامية دولية، وساهمنا في رفع دعاوى ضد الاحتلال في المحاكم الدولية، مما نقل القضية من الشارع العربي إلى ساحات القانون الدولي والرأي العام العالمي.
وكذلك دعمنا مشاريع الغذاء، وتمويل مطابخ خيرية لإعداد وجبات ساخنة للنازحين خلال الحروب، كما موّلنا توفير الأدوية والمستهلكات الطبية للمستشفيات المنهكة.
وشملت الجهود أيضا كفالة مئات الأيتام والأسر المتضررة، ودعم مشاريع تمكين المرأة والشباب، وتنظيم حملات إعلامية دولية لفضح جرائم الاحتلال.
لكن العقبات كانت هائلة، أبرزها الإغلاق التام للمعابر ومنع إدخال المساعدات لفترات طويلة، فبعض القوافل ظلت عالقة لأسابيع على الحدود، وأحيانا تلف المواد الغذائية قبل أن تصل. ومع ذلك، لم تنكسر إرادة المتطوعين، بل زادت القناعة بضرورة الاستمرار رغم الحصار.
كذلك أُغلقت المعابر لأشهر طويلة، واحتُجزت القوافل الإغاثية عند الحدود، بينما تضاعفت أعداد الشهداء والنازحين إلى مستويات لم تشهدها أي حرب سابقة.
لقد كانت حربًا لم تكتفِ بتدمير الإنسان والمكان، بل استهدفت روح العمل الإنساني ذاته.
كانت رسالتنا في مقالاتنا عن مأساة غزة واضحة لا لبس فيها، تنطلق من وجع الأرض وكرامة الإنسان، حيث سعينا إلى فضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي التي تحوّلت إلى حرب إبادة ممنهجة، وإلى التذكير الدائم بأن الفلسطينيين لا يطلبون سوى حقهم الطبيعي في الحياة، وأن الشهداء والضحايا ليسوا أرقاما في نشرات الأخبار، بل وجوه وقصص حياة وأمل.
كتبنا عن الواقع المعيشي المنهار في القطاع، وعن الحاجة الملحّة إلى الدعم والإغاثة، في حرب طالت كل تفاصيل الحياة حتى باتت النجاة نفسها فعل معجزة لا يتحقق إلا بتدخل إنساني عاجل، كما سعينا إلى حشد الموقف العربي والإسلامي والدولي من جديد ليقف إلى جانب غزة لا بالبيانات، بل بالفعل والتضامن الحقيقي.
وأقول إن الكتابة بالنسبة لنا ليست مرافعة سياسية، بل شهادة إنسانية في وجه النسيان.
لقد رأينا أثر هذا العمل المتكامل في الحراك الشعبي، في المظاهرات، في مواقف البرلمانات الأوروبية.
الرسالة الإعلامية والمقالة الصحفية جزء من منظومة المقاومة الإعلامية، التي تعمل جنبًا إلى جنب مع الفعل الإغاثي والميداني لتغيير صورة الفلسطيني في الوعي العالمي من ضحية صامتة إلى إنسان يقاوم بالحياة.
أما الإعلام الدولي، فقد بدأ متواطئا، فمنهم من انحاز للرواية الإسرائيلية، وتجاهل المجازر الجماعية ودمار المستشفيات ومجازر الأطفال، أو غطّاها بلغة تبريرية، واستخدم مصطلحات مضلّلة مثل "أعمال عنف" أو "نزاع" بدلا من "إبادة" و"احتلال" و"تجويع ممنهج"، ورغم ذلك اضطر جزء كبير من الإعلام الغربي تحت ضغط الصور والحقائق، إلى كشف المجازر وفضح زيف الرواية الإسرائيلية الكاذبة.
حتى إن بعض المؤسسات الغربية أعادت النظر في خطابها بعد أن أدركت أن الحياد أمام الإبادة جريمة.
نعم، نحن نتعب ونشعر بالعجز، لكننا ننهض لأننا نعرف أن العجز الحقيقي هو الصمت.
أقول لهم: أنتم لستم الضحايا، أنتم المعجزة، فغزة التي خرجت بعد عامين من الإبادة لتحتفل بنهاية الحرب، وتحرير أسراها، وتفوّق طلابها هي تعريف جديد للحياة نفسها.
أنتم الجواب الإنساني على سؤال الاحتلال: "هل يمكن قتل الأمل؟" والجواب كان: لا.
رؤيتنا تنطلق من شمولية الجرح الفلسطيني، فنحن نبدأ بالإغاثة العاجلة عبر تأمين المأوى المؤقت للنازحين، وترميم ما تبقّى من المستشفيات والمراكز الصحية، وضمان تدفق الغذاء والمياه والدواء بشكل مستدام.
يتبع ذلك مرحلة إعادة الإعمار التي نركّز فيها على إعادة بناء المنازل المهدّمة، وترميم المدارس والمساجد والمراكز المجتمعية، إلى جانب دعم مشاريع البنية التحتية التي تضمن عودة الحياة الأساسية من كهرباء ومياه وصرف صحي.
ثم تأتي المرحلة الأعمق، مرحلة التنمية المجتمعية طويلة الأمد، حيث نعمل على تمكين الشباب والنساء بمشاريع صغيرة وتدريب مهني، وإسناد القطاع التعليمي ببيئة آمنة وكوادر مؤهلة، إلى جانب إنشاء صناديق دعم نفسي واجتماعي تساعد الناس على النهوض من تحت الركام واستعادة قدرتهم على الحلم.
أما الشعوب الحرة، فنقول لهم: صوتكم لا يُستهان به. المظاهرات، المقاطعة، الضغط، كلها ساهمت في إبقاء غزة حية.
والأكيد أن غزة لا تحتاج شفقة، بل موقفا إنسانيا حقيقيا يليق بكرامتها وصمودها.