ماذا يعني أن تُخلي بيتك في دقيقة؟… حين يتشابه النزوح بين غزة ولبنان
البستان نيوز
ليس مجرد تهديدٍ بالقصف من قبل الاحتلال الإسرائيلي… بل لحظةٌ فاصلة تختصر حياةً كاملة.
ماذا يعني أن تُخلي بيتك في دقيقة واحدة؟ أن تغادره تحت ضغط الخوف، لا تحمل سوى ما خفّ وزنه، وتترك خلفك ما ثقل في القلب… الذكريات.
يتكرر المشهد ذاته من غزة إلى لبنان، وكأن الجغرافيا تتبدل، لكن المأساة واحدة. صور متطابقة، ووجعٌ يعبر الحدود. الاحتلال الإسرائيلي، عبر اتصالات أو إعلانات مفاجئة، يفرض على المدنيين العزّل إخلاء منازلهم قسرًا تمهيدًا لقصفها، في انتهاكٍ صارخ لكل الأعراف والقوانين الدولية التي تكفل حماية المدنيين وقت الحرب.
في تلك اللحظة، لا تكون البيوت جدرانًا فقط… بل أرشيفًا حيًا للعائلة.يرتبك الجميع: ماذا نأخذ؟الأوراق الثبوتية؟ بعض الأثاث؟ أم ننجو بأرواحنا ونترك كل شيء؟أسئلة ثقيلة تُطرح في ثوانٍ، بينما الزمن يضيق، والخطر يقترب.مشاهد تتكرر وتُنسخ: من غزة، إلى الضفة، إلى لبنان… وكأن النزوح قدرٌ مشترك.إنها سياسة ممنهجة لإرهاب المدنيين، ودفعهم نحو المجهول.في خيام النزوح، تتجلى المأساة بأقسى صورها، خاصة لدى الأطفال.
كثيرون منهم يعيشون النزوح للمرة الثانية، بعد أن فقدوا منازلهم ومدارسهم، ليجدوا أنفسهم في مساحات ضيقة، تفتقر للأمان والاستقرار، وتختزل طفولتهم في الخوف والانتظار.
ولا تقف المأساة عند حدود الواقع الإنساني، بل تمتد إلى بعدها القانوني؛ إذ تُصنّف سياسة التهديد بالإخلاء القسري كواحدة من أخطر انتهاكات القانون الدولي الإنساني، حيث تُستخدم كأداة للتهجير القسري والعقاب الجماعي ضد المدنيين.
في لبنان، يتكرر المشهد ذاته.
آلاف العائلات تفترش الشوارع والساحات، تتقاسم خيامًا مؤقتة في بيروت، بعد أن دفعتها الغارات المتواصلة إلى النزوح، في ظروف إنسانية قاسية تتفاقم يومًا بعد يوم.
وتختصر إحدى النازحات حجم المأساة بعبارة موجعة:
"صرنا مثل أهل غزة"…جملة قصيرة، لكنها تحمل تاريخًا من الألم، وتكشف كيف تحوّل ما كان يُروى عن فلسطين إلى واقعٍ يومي تعيشه عائلات لبنانية.ويقول أحد النازحين:كان في منزله "معزّزًا مكرّمًا"، أما اليوم، فينام مع أطفاله داخل خيمة ضيقة، في ظروف تفتقر لأدنى مقومات الحياة.تتشابه قصص النزوح، رغم اختلاف تفاصيلها، ويجمعها عنوان واحد:
الحياة في العراء.
عائلات بأكملها تعيش في خيام صغيرة، بلا أفق واضح للعودة، وتحت قلق دائم من حرب لا تتوقف.
ومع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية، تتسع رقعة المعاناة. فقد توسعت العمليات البرية في جنوب لبنان، بالتوازي مع غارات مكثفة طالت مناطق سكنية مكتظة، فيما صدرت أوامر إخلاء واسعة شملت مناطق جنوب نهر الزهراني، وسط تحذيرات تمنع السكان من العودة، ما ينذر بموجات نزوح جديدة.
وفي موازاة ذلك، تتصاعد الكلفة البشرية؛ إذ سقط مئات القتلى وآلاف الجرحى في لبنان، بينهم نساء وأطفال، مع استمرار استهداف الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الثمن الذي يدفعه المدنيون.
الأبعاد الإنسانية والقانونية لسياسة الإخلاء القسري
• تهجير قسري ممنهج:
تُدين جهات دولية هذه السياسات باعتبارها جزءًا من ممارسات ترقى إلى التهجير القسري والتطهير العرقي، الهادفة إلى إفراغ الأرض من سكانها.
• انتهاك اتفاقية جنيف الرابعة:
يحظر القانون الدولي نقل أو ترحيل السكان المدنيين قسرًا، ويُلزم بحمايتهم في النزاعات المسلحة.
• الإنذارات كأداة حرب:
تُستخدم أوامر الإخلاء الفورية لترهيب المدنيين، حتى في مناطق تُصنّف لاحقًا "آمنة"، قبل أن تتعرض هي نفسها للقصف.
• عقاب جماعي:
تُعد هذه السياسات، وفق تقارير دولية، شكلاً من أشكال العقاب الجماعي، عبر حرمان السكان من المأوى والغذاء والأمان.
أرقام تختصر المأساة
• في لبنان: نحو مليون نازح أُجبروا على مغادرة منازلهم قسرًا.
• في غزة: حوالي 1.5 مليون نازح، بعد تدمير نحو 80% من المنازل.
• في الضفة الغربية: أكثر من 33 ألف نازح فلسطيني حتى مارس 2026.
في النهاية، لا تختلف الحكاية كثيرًا بين غزة ولبنان…
الوجوه تتبدل، لكن الدموع واحدة.
والبيوت التي تُهدم، لا تسقط حجارتها فقط… بل تسقط معها حياة كاملة، تُختصر في سؤالٍ واحد:
إلى أين نذهب حين يُسلب منا البيت؟