لم تكن رحلة البحث عن أحمد سهلة؛ فبعد أسبوعين من اختفائه، بدأت خيوط الحقيقة تتكشف عبر شهادات شبان أُطلق سراحهم لاحقاً.
يروي محمد الأغا، شقيق المفقود، للمركز الفلسطيني للمفقودين: “أخبرنا الناجون أن الجيش اعتقل أحمد من شقته، واستخدمه رفقة آخرين كدروع بشرية طوال فترة العملية العسكرية في المنطقة”. ويؤكد محمد أن الشهادات حول مصير شقيقه تشير جميعها إلى أنه كان حياً منذ لحظة اقتحام شقته وحتى يوم انسحاب الجيش من المنطقة.
يضيف محمد: “قيل لنا إن أحمداً شوهد حياً حتى فجر يوم انسحاب الجيش من أبراج حمد، إلا أنه لم يخرج مع المفرج عنهم، ولم نعثر على جثمانه في الشقة أو في محيط المنطقة بعد تفتيش المستشفيات وأماكن التوغل”.
أحمد الأغا ليس الصحفي الوحيد الذي يعد مصيره مجهولاً في قطاع غزة؛ إذ إن التغييب الممنهج طال ثلاثة صحفيين مجهولي المصير حتى اليوم: نضال الوحيدي، وهيثم عبد الواحد. وتتجاوز مأساة أحمد غيابه الجسدي لتصل إلى شبهات تعرضه لـ “جريمة إخفاء قسري”؛ فبينما يؤكد شهود عيان لعائلته أنهم رأوه حياً حتى فجر يوم انسحاب الجيش، حيث استُخدم كدرع بشري رفقة شبان آخرين طوال فترة العملية العسكرية، تنكر سلطات الاحتلال وجود اسمه في قوائم الاعتقال الرسمية. هذا الإنكار، المقترن بعدم العثور على جثمانه في الموقع، يضعه ضمن قائمة تضم نحو 7,000 مفقود في قطاع غزة، تتقاذف عائلاتهم رياح القلق وعدم اليقين نتيجة سياسة التغييب المتعمد.
ويأتي هذا التغييب في إطار استهداف واسع وممنهج للجسم الصحفي في قطاع غزة منذ بدء حرب الإبادة؛ حيث تهدف هذه السياسة إلى طمس الحقيقة وتغييب الشهود على الجرائم المرتكبة. أما مأساة عائلة الأغا فقد تضاعفت بفاجعة أخرى؛ فبينما كان أحمد في غياهب الاختفاء، قتل الجيش الإسرائيلي زوجته في قصف مباغت، لتبقى طفلتهما الوحيدة “إيلين” وحيدةً في مواجهة هذا اليتم المركب. “إيلين” التي لم تتجاوز سنوات عمرها القليلة، تعيش اليوم على أمل واهٍ بأن والدها “خلف القضبان” وسيعود يوماً.
وتعيش عائلات المفقودين في غزة “عذاباً مركباً” يتجاوز ألم الفقد الطبيعي؛ فهي محرومة من حقها في المعرفة ومن ممارسة طقوس الوداع أو العزاء. إن حالة “عدم اليقين” الدائمة تترك الأهالي في دوامة من الترقب النفسي القاتل، حيث يحيون على أمل ضعيف بخبر أو إشارة، ويموتون كل يوم مع استمرار الصمت تجاه هذا الملف.
ورغم تواصل العائلة مع العديد من المؤسسات الحقوقية والدولية، إلا أن الرد كان دائماً بصدمة أكبر: “الاسم غير موجود في قوائم الاعتقال الرسمية”. هذا الغياب للاسم عن السجلات، رغم شهادات العيان التي أكدت اقتياده حياً، وعدم وجود جثة له في المنطقة التي كان يتواجد بها أو داخل المستشفيات، يعزز لدى عائلته فرضية تعرض الصحفي أحمد الأغا لجريمة “إخفاء قسري” ممنهجة.
واليوم، وبينما يحيي العالم اليوم العالم لحرية الصحافة، يجدد المركز الفلسطيني للمفقودين مطالبته للمجتمع الدولي والمؤسسات المعنية بالتحرك العاجل؛ ليس فقط للكشف عن مصير أحمد ونضال وهيثم، بل لإغلاق هذا الجرح الإنساني الذي ينزف في آلاف البيوت الفلسطينية التي تنتظر خبراً ينهي كابوس المجهول.