اللاجئون الفلسطينيون الأكثر هشاشة في الأردن: الفقر متعدد الأبعاد يهدد الأمن المعيشي والغذائي والصحي
يكشف تقرير بحثي موسع أصدره معهد فافو للأبحاث (Fafo Research Foundation) في النرويج، بالشراكة مع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، بعنوان "Living Conditions of Vulnerable Palestinian Refugees in Jordan: Access, Assistance and Experience of UNRWA Service Users" (تقرير فافو رقم 2025:28)، وأعده الباحثان Åge A. Tiltnes وJing Liu، عن واقع إنساني بالغ الهشاشة يعيشه آلاف اللاجئين الفلسطينيين الأكثر ضعفًا في الأردن، حيث تتداخل أزمات الفقر، وانعدام الأمن الغذائي، وضعف الرعاية الصحية، والهشاشة السكنية، والقيود القانونية، لتشكل دائرة معقدة من الحرمان يصعب الخروج منها.
ويستند التقرير إلى بيانات ميدانية جُمعت خلال عام 2023، وشملت 4,471 أسرة تضم 21,694 فردًا، مع التركيز على الأسر الأكثر فقرًا والأشد احتياجًا من مستخدمي خدمات "الأونروا". ويقدم تحليلًا شاملًا للعلاقة بين الوضع القانوني، والدخل، والعمل، والصحة، والتعليم، والسكن، والأمن الغذائي، بما يبرز حجم التحديات التي تواجه الفئات الأكثر هشاشة.
ويؤكد التقرير أن المساعدات الإنسانية التي تقدمها الأونروا لم تعد وسيلة لتحسين مستوى المعيشة فحسب، بل أصبحت خط الدفاع الأخير الذي يحول دون انزلاق آلاف الأسر إلى مستويات أشد من الفقر والحرمان. ويحذر من أن أي تقليص في هذه المساعدات لن يقتصر أثره على انخفاض الدخل، بل سيمتد ليهدد قدرة الأسر على تأمين الغذاء، والحصول على الرعاية الصحية، ودفع تكاليف السكن، واستمرار تعليم الأطفال، بما ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية واتساع رقعة الهشاشة بين اللاجئين الفلسطينيين في الأردن.
وتستند نتائج التقرير إلى مسح ميداني أجري خلال شهري فبراير ومارس 2023، مستهدفًا مستخدمي خدمات "أونروا"، ولا سيما الأسر الأكثر فقرًا وهشاشة.
المساعدات الإنسانية... صمام الأمان الأخير
يؤكد التقرير أن المساعدات النقدية لا تخرج الأسر من دائرة الفقر، لكنها تمنع انهيارها الكامل.
وتشير البيانات إلى أن:
ويحذر التقرير من أن توقف هذه المساعدات سيخفض دخول آلاف الأسر إلى أقل من الحد الأدنى للعيش، وقد يترك 37% من الأسر بدخل شهري يقل عن 100 دينار أردني، وهو مستوى يعجز عن تغطية الاحتياجات الأساسية.
الوضع القانوني... أحد أبرز أسباب الفقر
يبرز التقرير العلاقة المباشرة بين الوضع القانوني ومستوى المعيشة.
فالفلسطينيون القادمون من قطاع غزة بعد عام 1967 يواجهون قيودًا تحد من فرص العمل والاستفادة من برامج الحماية الاجتماعية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الخدمات الحكومية.
ومن أبرز المؤشرات:
ويؤكد التقرير أن هذه القيود القانونية تؤدي إلى تضييق فرص العمل والتعليم والحماية الاجتماعية، ما يضاعف من هشاشة هذه الفئة.
المرض... طريق مباشر نحو الفقر
تكشف الدراسة أن الأمراض المزمنة أصبحت أحد أهم أسباب استمرار الفقر.
فقد أظهرت النتائج أن:
53% من الأسر لديها شخص واحد على الأقل يعاني من مرض مزمن.
في 77% من هذه الحالات يكون المعيل الرئيسي هو المصاب.
كما أن:
ويشير التقرير إلى أن كثيرًا من الأسر تضطر إلى الاقتراض لتغطية تكاليف العلاج، مما يحول المرض إلى عبء اقتصادي طويل الأمد.
أزمة السكن... هشاشة تتجاوز الجدران
لا تقتصر معاناة اللاجئين على انخفاض الدخل، بل تمتد إلى جودة السكن.
وتظهر النتائج أن:
أما في مخيم الحديقة، فقد بلغت نسبة الأسر ذات الهشاشة السكنية المرتفعة 73%، حيث يعيش العديد منهم في وحدات مسبقة الصنع تعاني من الرطوبة وتسرب المياه وضعف البنية التحتية.
كما أن:
يعد الأمن الغذائي أكثر مؤشرات التقرير إثارة للقلق.
إذ تعاني:
- 54% من الأسر من انعدام أمن غذائي متوسط أو شديد.
- 43% تعاني من انعدام أمن غذائي مرتفع.
- 11% تواجه انعدام أمن غذائي شديد.
- كما تخصص الأسر في المتوسط:
- 45% من دخلها لتأمين الغذاء.
وللتكيف مع الأزمة تلجأ الأسر إلى:
- تقليل عدد الوجبات اليومية.
- خفض جودة الغذاء.
- تقليل استهلاك اللحوم والبروتين والخضروات.
وهي مؤشرات تنذر بتفاقم سوء التغذية، خاصة بين الأطفال.
التعليم... تحديات تهدد مستقبل الأطفال
يكشف التقرير استمرار العقبات أمام حصول الأطفال على تعليم مناسب.
ومن أبرز المؤشرات:
كما يعتمد التعليم بصورة كبيرة على "أونروا":
وترتفع نسبة الاعتماد على مدارس "أونروا" داخل المخيمات إلى 88%.
العمل لا يكسر دائرة الفقر
يوضح التقرير أن الحصول على وظيفة لا يعني بالضرورة تجاوز الفقر.
فقد بينت النتائج أن:
ويؤكد التقرير أن انخفاض الأجور والعمل غير المنتظم يجعلان العمالة غير قادرة على توفير حياة كريمة.
الديون... وسيلة للبقاء
تلجأ غالبية الأسر إلى الاقتراض لتغطية الاحتياجات الأساسية.
وتوزعت مصادر الديون على النحو الآتي:
كما أن:
ويصنف التقرير:
ضمن مستويات الهشاشة المرتفعة أو الشديدة في قدرتها على مواجهة الأزمات.
أبرز الرسائل الإنسانية
تشير نتائج التقرير إلى أن الأزمة التي تواجه اللاجئين الفلسطينيين في الأردن لم تعد أزمة دخل فقط، بل أصبحت أزمة متعددة الأبعاد تمس الغذاء، والصحة، والتعليم، والسكن، والعمل، والحماية الاجتماعية في آن واحد.
وتبرز الدراسة أن استمرار خدمات "أونروا" يمثل عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الإنساني، بينما قد يؤدي أي تقليص في التمويل إلى اتساع رقعة الفقر، وارتفاع معدلات الجوع، وتراجع فرص التعليم والعلاج، وزيادة الاعتماد على الديون وآليات التكيف السلبية.
توصيات رئيسية
أوصى التقرير بعدد من الإجراءات العاجلة، أبرزها:
- زيادة قيمة المساعدات النقدية بما يتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة.
- تعزيز برامج ترميم المساكن والمساعدات الطارئة.
- تحسين وصول غير الحاصلين على الرقم الوطني إلى الخدمات الصحية الحكومية.
- دعم التعليم الأساسي والتوسع في التعليم المهني.
- تخفيض تكاليف التعليم الجامعي لغير المواطنين.
- إعادة تفعيل برامج التشغيل وربط التدريب المهني بسوق العمل.
- توسيع فرص تمكين النساء، خاصة المعيلات للأسر.
تخلص الدراسة إلى أن تقليص دور أونروا لا يعني فقط خفض تمويل وكالة أممية، بل يهدد بحرمان آلاف الأسر الفلسطينية في الأردن من آخر شبكة حماية تحافظ على قدرتها على تأمين الغذاء، والعلاج، والتعليم، والسكن. وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، يحذر التقرير من أن تراجع الدعم الإنساني قد يدفع المزيد من الأسر إلى مستويات أشد من الفقر والهشاشة، ويقوض فرصها في العيش الكريم والاستقرار على المدى الطويل.