جمعية الشفاء الطبية"… خط الدفاع الطبي والإنساني في لبنان خلال الحرب
حوار خاص مع الدكتور مجدي كريّم المدير التنفيذي لجمعية الشفاء للخدمات الطبية والإنسانية في لبنان لـ"البستان نيوز":
"أنقذنا الأرواح وسط القصف وواصلنا العمل رغم المخاطر"
الدكتور مجدي كريّم المدير التنفيذي لجمعية الشفاء للخدمات الطبية والإنسانية في لبنان
30 ألف خدمة طبية وفرق إسعاف على مدار الساعة… "الشفاء الطبية" تكشف تفاصيل الاستجابة الإنسانية
" لم نترك الناس وحدهم"
الجمعية تواصل خدماتها الطبية في الحرب والنزوح
" لم يكن عملنا مجرد تقديم علاج… بل حماية لكرامة الإنسان وحقه في الحياة"
" كل سيارة إسعاف كانت تحمل أملاً جديداً لعائلة تنتظر النجاة "
" رغم القصف ونقص الإمكانات، لم تتوقف فرقنا عن أداء واجبها الإنساني"
في ظل الحرب التي يشنها الجيش الإسرائيلي على لبنان، وما خلّفته الاعتداءات من أعباء إنسانية وصحية كبيرة، برزت جمعية الشفاء للخدمات الطبية والإنسانية كواحدة من المؤسسات التي واصلت أداء رسالتها الطبية والإغاثية في أصعب الظروف، من خلال مراكزها الطبية وفرقها الإسعافية وعياداتها النقالة المنتشرة في عدد من المناطق اللبنانية، والتي عملت على مدار الساعة لتقديم الرعاية الصحية والإسعافية للمتضررين والنازحين.
وفي حوار خاص مع وكالة "البستان نيوز"، يتحدث الدكتور مجدي كريّم المدير التنفيذي لجمعية الشفاء للخدمات الطبية والإنسانية في لبنان عن تجربة الجمعية وآليات عملها خلال العدوان الإسرائيلي، وأبرز البرامج والخدمات التي تقدمها للجمهور اللبناني والفلسطيني، إضافة إلى التحديات التي واجهت الطواقم الطبية والإسعافية، ورؤية الجمعية المستقبلية لتطوير خدماتها الصحية والإنسانية وتعزيز دورها في خدمة المجتمع.
بدايةً، حدثنا عن جمعية الشفاء للخدمات الطبية والإنسانية ورسالتها الإنسانية؟
تأسست جمعية الشفاء للخدمات الطبية والإنسانية عام 2008 بموجب علم وخبر رقم 144/أد الصادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، بهدف تأمين الخدمات الصحية والطبية والإنسانية للمحتاجين بالتعاون مع الجهات الداعمة والمانحة، ضمن برامج ومشاريع متخصصة وهادفة.
ومنذ انطلاقها، حملت الجمعية رؤية واضحة تتمثل في أن تكون “جمعية رائدة في الرعاية الصحية بمهنية واقتدار”، فيما تقوم رسالتها على تأمين الخدمات الطبية والإنسانية والرعاية الصحية للمرضى والمحتاجين، انطلاقاً من قيم الأمانة والنزاهة والشفافية وروح الفريق والالتزام المجتمعي.
ويشير الدكتور مجدي كريّم إلى أن الجمعية وضعت منذ تأسيسها أهدافاً أساسية، من بينها نشر التوعية الصحية والطبية، وحماية حياة الإنسان، وتأمين الرعاية الصحية للفئات المحتاجة، والمساهمة في توفير الأدوية، لا سيما لمرضى الأمراض المزمنة، إضافة إلى افتتاح المراكز الصحية ومراكز الإسعاف الأولي.
ويضيف:
“تمكنت الجمعية خلال السنوات الماضية من تطوير منظومتها الطبية بشكل ملحوظ، حيث تضم اليوم 8 مراكز طبية، و45 سيارة إسعاف، و7 سيارات إطفاء وبحث وإنقاذ، إضافة إلى أكثر من 580 متطوعاً ومتطوعة، فضلاً عن مركز متخصص بتنمية قدرات الأطفال”.
وأكد أن الجمعية عملت خلال الأزمات والحروب على تعزيز جاهزية مراكزها الطبية وفرقها الإسعافية، وتوسيع نطاق خدماتها الصحية، بما يضمن وصول الرعاية الطبية إلى الفئات الأكثر تضرراً، خصوصاً عبر العيادات النقالة والفرق الطبية الميدانية.
كيف استجابت الجمعية للاحتياجات الطبية الطارئة خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان ؟
يوضح الدكتور كريّم أن الجمعية وضعت خطة طوارئ شاملة منذ الساعات الأولى للتصعيد، هدفت إلى ضمان استمرارية تقديم الخدمات الصحية والإسعافية للمواطنين والنازحين في مناطق صور وصيدا والمناطق المحيطة.
ويقول: “قمنا بتعزيز جهوزية فرق الإسعاف والطوارئ، وتأمين المناوبات على مدار الساعة داخل عدد من المراكز الطبية، إلى جانب توفير سيارات الإسعاف والمستلزمات الطبية والأدوية الضرورية للتعامل مع الإصابات والحالات الطارئة”.
كما وسّعت الجمعية نطاق خدماتها الصحية في المناطق الأكثر تضرراً، مع التركيز على تقديم الرعاية الطبية الأولية والخدمات الإسعافية السريعة، وتحويل الحالات الحرجة إلى المستشفيات والمراكز المتخصصة.
ورغم التحديات الأمنية واللوجستية ونقص الموارد، يؤكد كريّم أن الطواقم الطبية والإدارية والإسعافية واصلت أداء مهامها بمسؤولية عالية، مشيراً إلى أن العديد من الموظفين والمتطوعين التزموا بواجباتهم الإنسانية رغم الظروف الصعبة والمخاطر المحيطة.
ما الدور الذي تؤديه فرق الإسعاف والطوارئ التابعة للجمعية في الميدان؟
يلفت الدكتور مجدي كريّم إلى أن فرق الإسعاف والدفاع المدني التابعة للجمعية تؤدي دوراً محورياً في حماية الأرواح والاستجابة للاحتياجات الإنسانية والصحية، خصوصاً خلال فترات الحرب والطوارئ.
ويضيف: “تتمثل مهام الفرق في الاستجابة السريعة للحالات الطارئة، وتقديم الإسعافات الأولية للمصابين، ونقل المرضى بشكل آمن، والمشاركة في عمليات الإنقاذ والإخلاء، إضافة إلى دعم المراكز الطبية والتنسيق معها لضمان سرعة الاستجابة”.
ويستعرض كريّم أبرز مهام هذه الفرق الطبية في الأتي :
الاستجابة السريعة للحالات الطارئة وتقديم الإسعافات الأولية للمصابين والمرضى في مواقع الحوادث قبل نقلهم إلى المراكز الطبية أو المستشفيات لاستكمال العلاج.
نقل المرضى والمصابين بشكل آمن وسريع، مع توفير الرعاية الطبية اللازمة أثناء عملية النقل لضمان استقرار حالتهم الصحية.
المشاركة في عمليات الإنقاذ والإخلاء خلال الحرب ، والمساهمة في الوصول إلى المتضررين وتقديم المساعدة العاجلة لهم.
دعم المراكز الطبية من خلال التنسيق المستمر بين فرق الإسعاف والطواقم الطبية لضمان سرعة تحويل الحالات وتقديم الخدمات الصحية بكفاءة..
تنفيذ الأنشطة التوعوية والتدريبية في مجال الإسعافات الأولية والوقاية والسلامة العامة، بهدف تعزيز جاهزية المجتمع للتعامل مع الحالات الطارئة.
كما يشير إلى هناك مجموعة من التحديات التي تواجهها خلال العمل الميداني وهي :
المخاطر الأمنية المباشرة نتيجة استمرار القصف والاستهداف في بعض المناطق، مما عرض المسعفين للخطر أثناء تنفيذ مهامهم الإنسانية.
صعوبة الوصول إلى المصابين بسبب تضرر الطرق والبنية التحتية، أو وقوع الإصابات في مناطق يصعب الوصول إليها بسرعة وأمان.
الارتفاع الكبير في عدد الإصابات والحالات الطارئة مقارنة بالإمكانات المتاحة، الأمر الذي فرض ضغطاً كبيراً على فرق الإسعاف.
نقص بعض المستلزمات الطبية والإسعافية نتيجة زيادة الطلب وصعوبة تأمين الإمدادات بشكل منتظم خلال فترة الحرب.
الإجهاد الجسدي والنفسي الناتج عن ساعات العمل الطويلة والتعامل المستمر مع المشاهد الإنسانية المؤلمة والإصابات الخطيرة.
التحديات اللوجستية المرتبطة بحركة سيارات الإسعاف وتأمين الوقود ووسائل الاتصال والتنسيق بين الفرق الميدانية والمراكز الصحية.
استمرار العمل في ظل المخاطر الشخصية والعائلية، حيث واصل العديد من المسعفين أداء واجبهم الإنساني رغم تأثر مناطق سكنهم وعائلاتهم بالأحداث.
ويتابع: "رغم هذه التحديات، إلا أن المسعفون أظهروا مستوى عاليٍ من الالتزام والشجاعة والتفاني، واستمروا في أداء رسالتهم الإنسانية بكل مسؤولية، مما ساهم في إنقاذ العديد من الأرواح وضمان استمرارية الخدمات الإسعافية خلال أصعب الظروف" .
كيف ساهمت العيادات النقالة والمراكز الطبية في الوصول إلى المرضى والنازحين؟
يشير الدكتور كريّم إلى أن العيادات النقالة لعبت دوراً أساسياً في إيصال الرعاية الصحية إلى المناطق النائية والتجمعات السكانية المتضررة ومراكز الإيواء، خصوصاً للأشخاص الذين تعذر عليهم الوصول إلى المستشفيات والمراكز الطبية الثابتة.
ويقول: “قدمت المراكز الطبية التابعة للجمعية خلال فترة الحرب أكثر من 30 ألف خدمة طبية رغم الصعوبات الكبيرة”.
كما نفذت الجمعية 44 يوماً طبياً مجانياً استفاد منها 3444 مريضاً، حيث تم تقديم المعاينات الطبية في تخصصات متعددة، إلى جانب توفير الأدوية والفحوصات المخبرية والاستشارات الصحية.
كيف نجحت الجمعية في تأمين الأدوية والمستلزمات الطبية خلال الأزمة؟
يوضح المدير التنفيذي للجمعية أن الحفاظ على استمرارية الخدمات الطبية تطلّب اعتماد خطط طوارئ مرنة وإدارة فعالة للموارد المتاحة.
ويقول: “عملنا على تعزيز مخزون الأدوية والمستلزمات الإسعافية، ومتابعة الاحتياجات الميدانية بشكل مستمر لتحديد الأولويات، إضافة إلى التنسيق مع الجهات الداعمة والمؤسسات الصحية والإنسانية لتأمين الإمدادات الطبية رغم التحديات”.
وأكد أن شبكة المراكز الطبية والفرق الإسعافية التابعة للجمعية ساهمت في توزيع الأدوية والمستلزمات بسرعة وكفاءة، مع إعطاء الأولوية للحالات الطارئة ومرضى الأمراض المزمنة والفئات الأكثر ضعفاً.
وراء كل مهمة إنسانية قصة مؤثرة… هل من مواقف تعكس أثر عمل الكوادر الطبية والإسعافية؟
يؤكد الدكتور مجدي كريّم أن الحرب كشفت عن نماذج مشرّفة من الالتزام الإنساني، حيث أصر العديد من العاملين والمسعفين على مواصلة أداء واجبهم رغم نزوح عائلاتهم أو تضرر مناطق سكنهم.
ويضيف: “بقي كثير من المسعفين والعاملين في المراكز الصحية في مواقعهم رغم الظروف الشخصية الصعبة، واضعين واجبهم الإنساني فوق كل اعتبار”.
ويرى أن هذه المواقف لا تعكس فقط كفاءة الكوادر الطبية والإسعافية، بل تجسد أيضاً قيم الرحمة والتضامن والمسؤولية الإنسانية التي تقوم عليها رسالة الجمعية.
إلى جانب الخدمات العلاجية والإسعافية، ما أبرز البرامج الصحية والمجتمعية التي تنفذها الجمعية؟
يوضح كريّم أن الجمعية تنفذ مجموعة من البرامج الصحية والمجتمعية الهادفة إلى تعزيز الوقاية والرعاية الصحية المستدامة، ومن أبرزها:
• برنامج “لمسة” لتوفير الرعاية الصحية والأدوية وإقامة الأيام الطبية المجانية.
• برنامج “أمان” المعني بتأمين مستلزمات الإسعاف والدفاع المدني والتدريب على السلامة العامة.
• برنامج “وقاية” لنشر الثقافة الصحية والوعي الوقائي داخل المجتمع.
• برنامج “همّة” لدعم الأشخاص ذوي الإعاقة صحياً واجتماعياً ومهنياً.
• برنامج “لها” الهادف إلى دعم النساء والفتيات صحياً ومجتمعياً.
• برنامج “مداواة” لتطوير خدمات المراكز الصحية والأقسام الطبية.
• برنامج “ساعد” لتقديم المساعدات الإغاثية للفئات الأكثر ضعفاً.
ويؤكد أن الجمعية تسعى من خلال هذه البرامج إلى الانتقال من مفهوم العلاج فقط إلى مفهوم الصحة الشاملة القائمة على الوقاية والتوعية والاستجابة المستدامة للاحتياجات الصحية.
ما رؤيتكم المستقبلية لتطوير خدمات الجمعية؟
يقول الدكتور مجدي كريّم إن الجمعية تتطلع إلى تطوير خدماتها الطبية والإنسانية عبر تحديث المراكز الصحية وتجهيزها بالمعدات الحديثة، وتوسيع الاختصاصات الطبية، وتعزيز خدمات الطوارئ والإسعاف.
كما تعمل الجمعية على دعم العيادات النقالة والبرامج الصحية المجتمعية للوصول إلى الفئات الأكثر حاجة، إلى جانب الاستثمار في تدريب الكوادر الطبية والإدارية والإسعافية، وتطوير برامج الدعم النفسي والاجتماعي.
وفي ختام الحوار، وجّه الدكتور كريّم رسالة إلى الداعمين والشركاء، مؤكداً قائلاً: " إن الاستثمار في القطاع الصحي والإسعافي ليس مجرد دعم للخدمات الطبية، بل هو استثمار مباشر في حياة الإنسان وكرامته وأمنه الصحي. ففي أوقات الأزمات والحروب والكوارث، يشكل وجود نظام صحي قادر على الاستجابة السريعة خط الدفاع الأول لحماية الأرواح والتخفيف من المعاناة الإنسانية. إن دعمكم يمكّن جمعية الشفاء من الاستمرار في تقديم خدماتها الطبية والإسعافية للفئات الأكثر حاجة، وتوسيع نطاق الوصول إلى المجتمعات المتضررة والمناطق المحرومة، وتعزيز جاهزية فرق الطوارئ للاستجابة للأزمات المستقبلية".
ويضيف
" نحن نؤمن بأن الشراكة مع الداعمين ليست مجرد مساهمة مالية، بل هي شراكة إنسانية تهدف إلى بناء مجتمع أكثر صحة وقدرة على الصمود في مواجهة التحديات. ومن خلال هذا الدعم، نستطيع معاً توفير الرعاية الصحية للمرضى، وتأمين الأدوية والمستلزمات الطبية، وتطوير خدمات الإسعاف والطوارئ، وتعزيز استدامة الخدمات الصحية للمجتمعات الأكثر احتياجاً".