سليمان منصور.. حين حملت الريشة فلسطين إلى العالم
رحل الفنان الذي جعل من الأرض ذاكرة، ومن الإنسان الفلسطيني حكاية، ومن اللوحة شاهداً لا يغيب
لم يكن سليمان منصور يرسم فلسطين من بعيد.
كان يرسمها كما تُحفظ الأشياء التي يخشى الإنسان أن يفقدها؛ بذاكرة الفلاح، وملامح القرية، وثوب المرأة المطرز، وشجرة الزيتون، وحجارة البيوت، وملامح القدس التي ظلت حاضرة في وجدان الفلسطيني حتى حين حالت المسافات والاقتلاع والمنفى دون الوصول إليها.
في صباح 24 أغسطس/آب 2026، غاب الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور، بعد مسيرة امتدت قرابة ثمانية عقود، وأكثر من نصف قرن من العطاء الفني، تاركاً وراءه إرثاً يتجاوز اللوحة إلى الذاكرة والهوية والإنسان.
كان منصور واحداً من أبرز رواد الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر، لكنه كان، قبل ذلك، شاهداً على زمن فلسطيني طويل؛ زمن حمل فيه الفن مسؤولية أن يقول ما تعجز الكلمات أحياناً عن قوله.
ريشة حملت الوطن
ولد سليمان منصور في بيرزيت عام 1947، في فلسطين التي كانت على موعد مع واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخها الحديث.
كبر الفنان في بيئة ظلت فيها الأرض جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، فكانت القرية والفلاح والبيوت والحقول والملابس التقليدية والطبيعة، حاضرة في ذاكرته الأولى، ثم تحولت لاحقاً إلى مفردات أساسية في أعماله.
ومع مرور السنوات، لم تعد فلسطين بالنسبة إليه موضوعاً فنياً فحسب؛ أصبحت سؤالاً دائماً عن الإنسان والمكان والذاكرة.
استلهم منصور من الحضارات القديمة والفنون الكنعانية والإسلامية والعربية، ومن الحرف والزخارف والتراث الشعبي الفلسطيني، كما استلهم المشهد الطبيعي والفلاحين والقرى والبيوت. وبذلك لم يكن يبحث عن صورة جمالية لفلسطين بقدر ما كان يبني لغة بصرية تقول: هذه أرض لها أهل، وهذه ذاكرة لها أصحاب.
«جبل المحامل».. حين حمل الإنسان وطنه
لوحة "جمل المحامل" – التي تعد أشهر لوحاته- لم تكن مجرد عمل تشكيلي، بل استطاع من خلالها الفنان أن يجعلها أيقونة تختصر حكاية شعب كامل، يحمل وطنه على كتفيه أينما ذهب.
في عام 1974، رسم منصور لوحته الأشهر «جبل المحامل»، التي أصبحت واحدة من أكثر الصور رسوخاً في الذاكرة البصرية الفلسطينية.
في اللوحة يظهر رجل فلسطيني مسن يحمل على ظهره القدس وصخرة المسجد الأقصى، في صورة تختصر ثقل الوطن وما يحمله الإنسان الفلسطيني من ذاكرة وألم وتعلق بالأرض.
لم يكن الرجل في اللوحة مجرد شخصية؛ كان صورة للإنسان الذي حمل وطنه معه أينما ذهب.
تحولت اللوحة مع مرور الزمن إلى رمز يتجاوز حدود الفن، لأنها لامست تجربة الفلسطيني الذي وجد نفسه مطالباً بحمل ذاكرته، وبيته، وقريته، ومدينته، وأحلام العودة، وسط واقع الاقتلاع والنزوح والصراع.
هنا أصبحت الريشة شهادة.
وأصبح اللون وسيلة لحفظ ما يخشى عليه من النسيان.
فلسطين التي لم تكن خلفية
في أعمال منصور، لم تكن الأرض مجرد خلفية للمشهد.
كانت شخصية رئيسية.
كانت شجرة الزيتون تحمل معنى الجذور، وكان الفلاح يحمل معنى التمسك، وكانت المرأة في ثوبها الفلسطيني تحمل ذاكرة المكان، وكانت القرية تستعيد حضورها في لوحة ربما غابت عن الواقع.
لهذا ارتبط فن منصور بمفهوم الصمود الفلسطيني؛ فالإنسان الذي يظهر في لوحاته ليس إنساناً مجرداً من سياقه، بل إنسان يحاول أن يبقى، وأن يتذكر، وأن يحمي ما تبقى من حكايته.
وكانت هذه واحدة من قوة تجربته: أنه استطاع أن يحول التفاصيل الصغيرة في حياة الفلسطينيين إلى رموز كبيرة للهوية.
عندما أصبحت خامات الأرض جزءاً من المقاومة
في عام 1987، كان منصور من الأعضاء المؤسسين لجماعة «نحو رؤى جديدة»، التي ارتبطت بمحاولة الفنانين الفلسطينيين البحث عن لغة فنية أكثر التصاقاً بواقعهم.
وخلال الانتفاضة، اتجه الفنانون إلى مقاطعة استخدام بعض الخامات الإسرائيلية، والبحث عن مواد محلية من البيئة الفلسطينية، مثل الطين والحناء وخشب الزيتون.
لم يكن ذلك مجرد اختيار تقني.
كان إعلاناً بأن الأرض نفسها يمكن أن تصبح مادة للفن، وأن الثقافة يمكن أن تكون شكلاً من أشكال التمسك بالوجود.
وهكذا التقت في تجربة منصور ثلاثة عناصر ظلت حاضرة في أعماله: الأرض، والإنسان، والذاكرة.
فنان لم يرسم الماضي فقط
قد تبدو أعمال سليمان منصور للوهلة الأولى استعادةً لماضٍ فلسطيني جميل: قرى، وأشجار، وملابس تقليدية، وفلاحون، وبيوت.
لكنها في جوهرها كانت تتحدث عن الحاضر أيضاً.
فالذاكرة عنده لم تكن هروباً من الواقع، بل وسيلة لمواجهته.
حين يرسم شجرة زيتون، فهو لا يرسم شجرة فقط؛ بل يرسم جذوراً.
وحين يرسم الثوب الفلسطيني، فهو لا يرسم لباساً تقليدياً؛ بل يوثق هوية.
وحين يرسم القدس، فهو لا يرسم مدينة فحسب؛ بل يستحضر علاقة الإنسان بمكان لا يزال حاضراً في الوجدان رغم كل محاولات تغييب حضوره.
وحين يرسم الإنسان الفلسطيني، فإنه يمنحه مساحة ليقول: أنا هنا، وهذه حكايتي.
من فلسطين إلى العالم
درس منصور الفن في بيروت وواشنطن، وأقام معارض فردية وجماعية، ووصلت أعماله إلى متاحف ومجموعات فنية خاصة حول العالم، وحظيت تجربته بتقدير واسع عربياً ودولياً.
لكن قيمة تجربته لم تكن في انتشار لوحاته وحده.
الأهم أنه استطاع أن يجعل من التجربة الفلسطينية لغة يمكن للآخر أن يراها ويفهمها حتى دون أن يعرف تفاصيل التاريخ.
فاللوحة لا تحتاج دائماً إلى ترجمة.
صورة أم، أو فلاح، أو طفل، أو شجرة، أو بيت مهدد بالغياب، يمكن أن تصل إلى الإنسان في أي مكان.
وهنا تكمن قوة الفن الإنساني الذي تركه منصور.
رحل الفنان.. وبقي الشاهد
يرحل سليمان منصور، لكن فلسطين التي حملها على قماش لوحاته لا ترحل.
تبقى في شجرة الزيتون.
في ثوب المرأة.
في حجارة القرية.
في وجه الفلاح.
في القدس التي حملها الإنسان على ظهره.
وفي كل طفل فلسطيني يولد وهو يحمل ذاكرة لم يعش تفاصيلها كلها، لكنه يعرف أنها جزء من حكايته.
كان سليمان منصور واحداً من أولئك الفنانين الذين لم يكتفوا برسم ما يرونه؛ بل رسموا ما يخشون أن يُنسى.
ولهذا فإن إرثه لا يُقاس بعدد اللوحات والمعارض والجوائز، وإنما بما تركه في الذاكرة.
رحل سليمان منصور عن عالمنا، لكن ريشته تركت فلسطين معلقة على جدار الذاكرة؛ شاهدةً على شعبٍ حاول أن يُقتلع من أرضه، فحمل أرضه في فنه، وفي ذاكرته، وفي حكايته إلى العالم.
وهكذا، ربما يكون أجمل ما يمكن أن يُقال عن الفنان بعد رحيله:
لم يكن يرسم فلسطين فحسب… كان يحفظها من الغياب.