Skip to main content
آخر
الاخبار

الاحتلال الإسرائيلي يُعطِّش غزة

 

تعاني غزة من أزمة مياه كارثية تُشكّل تهديدًا وجوديًا، حيث تسببت حرب الإبادة الإسرائيلية في تدمير نحو 90% من البنية التحتية المائية، وتوقف معظم محطات التحلية والآبار، ما حرم السكان من الوصول إلى المياه الصالحة للشرب. ويواجه أكثر من مليوني نسمة شحًا حادًا، في ظل اعتماد نحو 90% من المياه على مصادر ملوثة وغير صالحة للاستهلاك، الأمر الذي ينذر بكارثة صحية وبيئية وتفشي الأمراض.

فاقمت استهدافت الاحتلال الإسرائيلي من حدة الأزمة، بعد استهداف مهندس مياه وسائقين كانا ينقلان المياه للعائلات النازحة خلال شهر أبريل الجاري.

ويبلغ متوسط حصة الفرد في غزة نحو 7 لترات فقط من مياه الشرب و16 لترًا للاستخدام المنزلي، فيما لا يحصل كثيرون حتى على الحد الأدنى المطلوب. كما أدى تدمير شبكات المياه والصرف الصحي، ومنع الوقود وقطع الغيار، إلى توقف مرافق حيوية كانت تخدم مئات آلاف السكان.

ويعيش نحو 1.1 مليون شخص في مخيمات تفتقر إلى شبكات الصرف الصحي، وسط فيضان الحفر الامتصاصية وتصاعد المخاطر الصحية والبيئية مع دخول فصل الصيف، وفق ما أوردته The Guardian.

وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن احتياجات السكان في قطاع غزة لا تزال تتجاوز بكثير ما تستطيع منظمات الإغاثة تلبيته، في ظل قيود مشددة وعوائق مستمرة تعرقل العمل الإنساني.

ووفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي، فقد تعرضت البنية التحتية في غزة لانهيار واسع، مع تضرر أو تدمير نسبة كبيرة من مرافق المياه والصرف الصحي، ما انعكس مباشرة على كمية المياه المتاحة وجودتها. وتشير التقارير إلى أن الفرد يحصل على أقل بكثير من الحد الأدنى العالمي الموصى به يوميًا، في وقت تتراجع فيه قدرة محطات التحلية بسبب نقص الكهرباء والوقود.

وقبل الحرب، كان متوسط حصة الفرد اليومية من المياه في غزة يتراوح بين 80 و85 لترًا، شاملة الاستخدام المنزلي. أما اليوم، فقد انخفضت الحصة إلى ما بين 3 و5 لترات في كثير من المناطق، فيما سجلت بعض مناطق شمال غزة نحو 5.7 لترات يوميًا، ووصلت في حالات النزوح الحاد إلى 1.5–2 لتر فقط.

وأفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن 90% من سكان غزة لا يحصلون على مياه صالحة للشرب بشكل آمن، وأن 96% من مياه الخزان الجوفي غير صالحة للاستهلاك البشري بسبب التلوث والملوحة، في ظل اعتماد واسع على مصادر غير آمنة أو معالجة جزئيًا.

وبحسب معطيات سلطة المياه الفلسطينية، فإن أزمة المياه لم تعد تقتصر على نقص الإمدادات، بل تحولت إلى انهيار شبه كامل في البنية التحتية وعجز تشغيلي واسع، وتهديد مباشر للأمن الصحي والغذائي، ما جعل المياه موردًا طارئًا محدودًا يخضع لظروف تشغيلية قاسية.

في شمال القطاع، يواجه آلاف النازحين في بلدة جباليا خطر العطش بعد توقف محطة “الحسن” لتحلية المياه، التي كانت تُعد مصدرًا رئيسيًا لأكثر من 15 ألف فلسطيني. وأفاد مراسل الجزيرة مباشر بلال أبو خليفة أن المحطة، التي أُنشئت بجهود ذاتية، توقفت بشكل كامل بسبب عدم القدرة على صيانتها أو توفير قطع الغيار، رغم أنها كانت توفر المياه المفلترة على مدار الساعة.

وأوضح المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن توقف المحطة فاقم أزمة المياه شمالي القطاع، في وقت أدت فيه الحرب إلى تدمير نحو 400 ألف متر طولي من شبكات المياه، إضافة إلى أكثر من 700 بئر، ما زاد من صعوبة وصول السكان إلى مصادر آمنة.

ويقول جمال قرموط، أحد القائمين على المحطة، إن المشروع انطلق في أبريل/نيسان 2024 وتطور ليخدم مناطق واسعة من جباليا، مشيرًا إلى أن المحطة كانت تنتج ما يصل إلى 3 أكواب في الساعة، قبل أن تتراجع قدرتها تدريجيًا بفعل الحصار حتى توقفت بالكامل. وأضاف أن تعطلها خلال الأيام الأخيرة أدى إلى أزمة عطش حادة، في ظل عدم كفاية صهاريج المياه لسد احتياجات السكان.

ولا تقتصر الأزمة على نقص المياه، بل تمتد إلى حالة من القلق وعدم الاستقرار، إذ بات السكان يبحثون يوميًا عن مصادر بديلة، وسط غياب انتظام وصول المياه وارتفاع الطلب عليها بشكل كبير.

ويناشد قرموط المؤسسات الدولية، من بينها أطباء بلا حدود واليونيسف وبرامج الأمم المتحدة، إلى جانب الدول العربية والإسلامية، التدخل العاجل لإعادة تشغيل المحطة أو إنشاء محطة جديدة بقدرة إنتاجية تتراوح بين 4 و5 أمتار مكعبة في الساعة لتلبية احتياجات السكان.

ويؤكد السكان أن انقطاع المياه لأيام فاقم معاناتهم، خاصة المرضى الذين يحتاجون إلى المياه لتناول أدويتهم، مشيرين إلى اضطرارهم للتنقل لمسافات طويلة بحثًا عن الماء في ظروف بالغة الصعوبة.

ويقول أحد النازحين إن الحصول على المياه بات يتطلب ملاحقة الصهاريج أو التنقل بين المناطق، فيما يشير آخر إلى أن المحطة كانت تمثل شريان الحياة الوحيد لهم، وأن توقفها يهدد بقاءهم في المنطقة.

كما يذكر أحد السكان أنه مريض ولا يستطيع تعبئة المياه بنفسه، ما يضطره إلى إرسال أطفاله لجلبها من مناطق بعيدة، رغم المخاطر الكبيرة التي يواجهونها.

وتشير المعلومات الصحفية إلى أن خزانات المياه في الموقع باتت فارغة تمامًا، فيما يقف السكان أمام واقع قاسٍ من العطش، في ظل غياب حلول عاجلة، وتصاعد النداءات لإعادة تشغيل المحطة أو إيجاد بدائل مستدامة، باعتبار المياه حقًا أساسيًا لا يحتمل التأجيل.