Skip to main content
آخر
الاخبار

حين يصبح الموت خبراً عادياً

علي ضو

علي ضو

خبير ومستشار في الاعلام الإنساني

 

 

سقطت اليوم بناية في غزة.
لكنها لم تسقط اليوم فقط.
بدأ سقوطها منذ أن أصابتها ضربات حرب الإبادة في غزة، فتصدّعت جدرانها، وتهاوت أجزاء من ذاكرتها، وبقيت واقفة بما يشبه المعجزة، قبل أن تلجأ إليها عائلات لم تجد مكاناً أكثر أمناً تحتمي فيه.

 

واليوم، أكمل الركام حكايته.

انهارت البناية فوق ساكنيها، وخرج من تحت حجارتها أطفال ونساء ورجال.

ثم بدأ العدّ…

شهيد، ثم آخر، ثم آخر.

قرأنا الخبر، رأينا الصور، تألمنا للحظة، ثم تابعنا يومنا.

وهنا ربما تكمن الفاجعة الأكبر.

لم نعد أمام موت يفاجئنا في غزة، بل إننا أصبحنا نعتاده.

اعتدنا أن نستيقظ على عدد من الشهداء وننام على عدد آخر. اعتدنا الركام والأكفان والأمهات المكلومات والأطفال المحمولين على الأكتاف، حتى كادت كثرة الموت أن تنتزع من الموت هيبته، ومن المأساة قدرتها على إيقاظ الضمير.

لكن هؤلاء ليسوا أرقاماً.

كل رقم كان إنساناً. له اسم ووجه وصوت وذاكرة، وله من يحبّه وينتظره. طفل كان يحمل حلماً صغيراً، وأم كانت تخاف على أطفالها، وأب كان يحاول، وسط كل هذا الخراب، أن يُبقي عائلته على قيد الحياة.

والسؤال الذي يزداد ثقلاً مع كل صباح جديد في غزة:

من يوقف هذا الإجرام اليومي؟

كم من الأطفال يجب أن يُحملوا من تحت الركام؟ كم من الأمهات يجب أن يفقدن أبناءهن؟ وكم من البيوت يجب أن تتحول إلى قبور، قبل أن يستعيد هذا العالم إحساسه بأن حياة الإنسان ليست رقماً في نشرة أخبار؟

ربما لم تمت الإنسانية تماماً، لكنها تبدو اليوم عاجزة، مثقلة بالصمت، فيما يمضي الموت أمام عينيها كل يوم.

وهنا تكمن الخطورة التي تتجاوز غزة نفسها: حين نعتاد موت الإنسان، يبدأ شيء من إنسانيتنا نحن بالموت أيضاً.

غزة اليوم لا تختبر فقط قدرة أهلها على البقاء بين الركام والخوف، بل تختبر قدرتنا نحن على أن نبقى بشراً أمام كل هذا الموت.

ستُرفع حجارة هذه البناية يوماً، وربما يُبنى مكانها بيت جديد.

لكن من يرفع الركام الذي تراكم فوق ضمير هذا العالم؟

 

فالمخيف ليس فقط أن يموت كل هؤلاء…
المخيف أن يصبح موتهم عادياً، وأن يمضي العالم كأنهم لم يكونوا.

 

مقالات ذات صلة