على شاطئ غزة، حيث كان البحر مصدرًا للرزق والغذاء وذاكرةً ممتدةً من الآباء إلى الأبناء، تبدّل المشهد بصورة قاسية منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023. القوارب التي كانت تعود محمّلة بالأسماك اختفت، بل أحرقت وقصفت من قبل الطائرات الإسرائيلية وكذلك مرافق الصيد في ميناء غزة دمرها الاحتلال الاسرائيلي، وأصبح الوصول إلى البحر يقابله الموت.
آلاف الصيادين الذين اعتادوا كسب قوت أسرهم من البحر وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد: مهنة فقدت معظم مقوماتها، ومصدر دخل تراجع إلى مستويات غير مسبوقة، فيما تحوّل البحر من مساحة للعمل إلى مصدر خطر دائم.
وتشير تقديرات نقابة الصيادين إلى أن الخسائر المباشرة التي لحقت بسبب القصف الإسرائيلي بقطاع الصيد في غزة تجاوزت 75 مليون دولار، نتيجة الأضرار التي طالت القوارب ومعدات الصيد والموانئ والمنشآت المرتبطة بالنشاط البحري.
وقبل الحرب، كان قطاع الصيد يعتمد على نحو 4,300 صياد، إلى جانب نحو 1,200 عامل في المهن والخدمات المرتبطة بالنشاط البحري. كما كان أسطول الصيد يضم نحو 1,800 قارب، فيما بلغ إنتاج القطاع قرابة 4,500 طن من الأسماك سنويًا، أي نحو 370 طنًا شهريًا.
أما اليوم، فقد تقلص أسطول الصيد بصورة كبيرة، ولم يتبقَّ على امتداد الساحل سوى نحو 400 قارب مجداف، بحسب بيانات مديرية الثروة السمكية في قطاع غزة، فيما لا يعمل سوى نحو 1,500 شخص في قطاع الصيد وفق التقديرات المتاحة، معظمهم باستخدام قوارب صغيرة لا تتسع غالبًا لأكثر من شخص أو اثنين.
وتراجعت مساحة البحر المتاحة للصيد بصورة حادة. فقبل الحرب كان الصيادون يعملون في مساحة تقدر بنحو 350 كيلومترًا مربعًا على امتداد ساحل غزة البالغ طوله 32 كيلومترًا، بينما أصبحت المساحة المتاحة حاليًا للصيد، وفق مديرية الثروة السمكية، لا تتجاوز نحو 20 كيلومترًا مربعًا وفي نطاق ضيق بمحاذاة الشاطئ.
ويقول مدير مديرية الثروة السمكية في غزة جهاد صلاح إن هذه المساحة المحدودة لا توفر ظروفًا مناسبة للصيد الاقتصادي، كما أن الضغط الكبير على المناطق الساحلية المتاحة ينعكس على البيئة البحرية ومخزون الأسماك.
وتؤكد الأرقام الأممية حجم الانهيار. فقد أشارت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) إلى أن قطاع الصيد، الذي كان يوفر سبل العيش لنحو 110 آلاف شخص بصورة مباشرة وغير مباشرة، شهد تراجعًا حادًا في الإنتاج، إذ بلغ متوسط المصيد خلال الفترة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأبريل/نيسان 2024 نحو 7.3% فقط من مستواه في عام 2022.
ولا تعكس هذه النسبة تراجع كمية الأسماك وحدها، بل تكشف حجم الضرر الذي أصاب سلسلة اقتصادية وغذائية واسعة تمتد من الصيادين إلى العاملين في إصلاح القوارب وصناعة الشباك وتجارة الأسماك ونقلها وتخزينها.
كما أدى تدمير مرافق الصيد والموانئ ومعدات العمل إلى حرمان آلاف الأسر من مصدر دخل كان يمثل جزءًا أساسيًا من اقتصاد غزة الساحلي. وتقدر بيانات قطاع الصيد أن أضرارًا واسعة طالت القوارب والمنشآت ومرافق الخدمات المرتبطة بالمهنة، فيما استهدف الاحتلال الإسرائيلي عدد كبير من الصيادين للقتل أو الإصابة أو الاعتقال أثناء محاولاتهم العمل أو الوصول إلى البحر.
وبحسب بيانات أوردها المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، استشهاد 238 صيادًا، فيما تعرض نحو 450 آخرين للإصابة أو الاعتقال منذ بدء الحرب، وفق الأرقام التي نقلتها المصادر المحلية.
ولا تقتصر آثار انهيار قطاع الصيد على الصيادين وحدهم. فالبحر كان يمثل أحد مصادر الغذاء المحلية في غزة، وتراجع الإنتاج السمكي يعني انخفاض كمية الأسماك المتاحة للسكان في وقت يعاني فيه القطاع من أزمة غذائية وإنسانية واسعة.
ومع تراجع القدرة الشرائية للسكان، أصبحت الأسماك المتاحة في الأسواق محدودة وباهظة الثمن بالنسبة إلى كثير من العائلات. وفي بعض الأسواق، ظهرت الأسماك المجمدة والمستوردة كبديل عن الإنتاج المحلي، في ظل القيود المفروضة على النشاط البحري وانهيار القدرة الإنتاجية للصيادين.
ولم يبدأ تقييد قطاع الصيد مع الحرب الأخيرة؛ إذ عانى الصيادون في غزة على مدى سنوات من قيود مفروضة على الوصول إلى البحر، الأمر الذي حدّ من مناطق الصيد وأثر في قدرتهم على تطوير المهنة. لكن الحرب منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 أدت إلى تعطّل شبه كامل للنشاط البحري، وألحقت أضرارًا واسعة بالبنية التحتية والمراكب ومعدات الصيد.
ويواجه الصيادون اليوم معادلة شديدة القسوة: البحر قريب، لكن الوصول إليه محدود وخطر؛ والقوارب موجودة، لكن معظمها دُمر أو تضرر؛ والمهنة التي كانت توفر الغذاء والدخل لآلاف الأسر لم تعد قادرة على تأمين الحد الأدنى من احتياجات العاملين فيها.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن تعافي قطاع الصيد في غزة يرتبط بإعادة الوصول الآمن إلى البحر، وإعادة تأهيل البنية التحتية ومعدات الصيد، واستعادة قدرة الصيادين على ممارسة مهنتهم.
فخلف كل قارب مدمّر أسرة فقدت مصدر دخلها، وخلف كل صياد عاجز عن الوصول إلى البحر عائلة تنتظر مصدرًا آخر للغذاء والرزق. وفي غزة، لا يعني تدمير قطاع الصيد فقدان مهنة فحسب، بل يعني فقدان جزء من الاقتصاد المحلي، ومصدرًا من مصادر الغذاء، وامتدادًا لمهنة توارثتها أجيال على شاطئ لم يعد يشبه ما كان عليه قبل الحرب.