Skip to main content
آخر
الاخبار

الشتاء في غزة.. حين يصبح المأوى خط الدفاع الأول عن الحياة

 

مع اقتراب فصل الشتاء، تدخل غزة موسمًا جديدًا من الخطر الإنساني، فيما يعيش مئات الآلاف من النازحين داخل خيام ومراكز إيواء متضررة لم تعد توفر الحد الأدنى من الحماية من البرد والأمطار والرياح.

ولا تبدو أزمة الشتاء في غزة أزمة خيام فقط؛ فهي تتقاطع مع انهيار واسع في البنية التحتية، وتعطل شبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، وتراكم النفايات، وتدهور الوضع الصحي، ووجود آلاف المباني المتضررة والمهددة بالانهيار.

وتحذر منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» من أن نحو 84% من سكان قطاع غزة، أي أكثر من 1.76 مليون شخص، يعيشون في مواقع نزوح مكتظة أو ملاجئ متضررة وغير ملائمة، مع حماية محدودة من البرد والأمطار والفيضانات. كما تشير المنظمة إلى أن الأطفال، خصوصًا الرضع والأطفال الصغار ومن لديهم حالات صحية سابقة، يواجهون مخاطر متزايدة من انخفاض حرارة الجسم والتهابات الجهاز التنفسي والأمراض المنقولة بالمياه.

وخلال الشتاء الماضي، توفي ما لا يقل عن 11 طفلًا في غزة، بينهم رضع، بسبب انخفاض حرارة الجسم، وفق اليونيسف، التي أطلقت استجابة شتوية للفترة من أكتوبر 2026 إلى مارس 2027، وتطلب 97.5 مليون دولار لحماية 540 ألف طفل وعائلاتهم في غزة والضفة الغربية.

فغق

أزمة مأوى تتسع قبل الشتاء

وفق أحدث بيانات مجموعة المأوى التي أوردها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، يحتاج نحو 1.98 مليون شخص، أي 94% من سكان غزة، إلى مساعدات في المأوى والمواد غير الغذائية.

ويواجه 58% من السكان احتياجات حرجة أو كارثية في مجال المأوى، بينما تعاني نحو 84% من الأسر قيودًا معيشية شديدة، من بينها ضعف الحماية من الأحوال الجوية.

وفي 21 سبتمبر/أيلول، حذرت وزارة التنمية الاجتماعية في غزة من أن ما بين 70% و80% من الخيام ومراكز الإيواء الحالية تعرضت للتلف أو التهالك نتيجة طول فترة الاستخدام والتعرض المستمر للظروف الجوية.

وقدرت الوزارة الاحتياجات العاجلة بنحو:

 

▪️ 200 ألف خيمة جديدة
▪️ 300 ألف شادر بلاستيكي مقاوم للظروف الجوية
▪️ ما بين 1.2 و1.5 مليون نازح يعيشون في مخيمات مكتظة ومكشوفة، بحسب تقديرات الوزارة

وبذلك تصل الاحتياجات المباشرة من الخيام والشوادر إلى نحو 500 ألف وحدة إيواء ومادة حماية، قبل اشتداد موسم الأمطار.

162 ألف خيمة تقترب من الخروج من الخدمة

وتشير تقديرات ميدانية إلى أن نحو 162 ألف خيمة من أصل 270 ألف خيمة تستخدم لإيواء العائلات النازحة أصبحت مهترئة وغير صالحة للاستخدام، أي ما يقارب 60% من إجمالي الخيام.

وتكشف شهادات النازحين معنى هذه الأرقام على أرض الواقع.

نن09

يقول سهيل الدغمة، 34 عامًا، إنه يعيش نزوحه الثامن بعد تدمير منزله في الفاخورة شمال قطاع غزة، ويقيم حاليًا في مخيم الديرة شمال غربي مدينة غزة.

ويقول إن خيمته طارت خلال الشتاء الماضي بفعل شدة الرياح، بينما أغرقت مياه الأمطار الملابس والأغراض داخلها، مضيفًا أن الخيمة الحالية «مهترئة» ولا يعتقد أنها قادرة على تحمل المنخفضات الجوية القادمة.

أما وعد مطر، 45 عامًا، وهي أرملة وأم لستة أطفال، فتقول إن خيمتها تمزقت منذ العام الماضي، وإنها تحتاج إلى خيمة جديدة وشادر، إلى جانب البطانيات ووسائل التدفئة والإنارة والمساعدات النقدية والعينية.

وتشير إلى أن سعر الشادر في السوق يصل إلى نحو 70 دولارًا، وهو مبلغ لا تستطيع أسرتها توفيره.

المياه والصرف الصحي.. خطر يتضاعف مع الأمطار

تأتي أزمة المأوى في وقت تعاني فيه غزة من تدهور حاد في خدمات المياه والصرف الصحي.

فق

ومع هطول الأمطار، يزداد خطر اختلاط مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي وتجمعها داخل مناطق النزوح، في ظل ضعف شبكات التصريف وتراكم النفايات، بما يزيد احتمالات انتشار الأمراض المنقولة بالمياه والأمراض التنفسية.

وتحذر وزارة التنمية الاجتماعية من أن واقع الشتاء لا يرتبط بالخيام وحدها، بل يشمل أيضًا تصريف مياه الأمطار، والصرف الصحي، والنفايات، والحشرات والقوارض، وهي عوامل يمكن أن تتفاقم مع هطول الأمطار وانخفاض درجات الحرارة.

كما أظهرت بيانات «أوتشا» أن الاستعداد لموسم الأمطار يواجه قيودًا مرتبطة بدخول مستلزمات الإغاثة والوصول إلى بعض المناطق ونقص التمويل.

آلاف المباني.. خطر آخر فوق رؤوس النازحين

ولا يتوقف الخطر عند الخيام.

فبحسب وزارة الأشغال العامة والإسكان والدفاع المدني، يوجد أكثر من 2,000 مبنى متضرر ومصنف على أنه معرض لخطر الانهيار.

وتشمل التقديرات أكثر من 250 مبنى بحاجة إلى إزالة كلية عاجلة باستخدام المعدات الثقيلة، وأكثر من 870 مبنى بحاجة إلى إزالة جزئية بالعمالة والمعدات اليدوية، فيما لا يزال نحو 880 مبنى قيد الدراسة والتقييم.

وفي 16 سبتمبر/أيلول، انهار مبنى سكني متضرر في مدينة غزة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، في حادث سلط الضوء مجددًا على مخاطر اضطرار العائلات إلى الاحتماء داخل مبانٍ متضررة بسبب غياب البدائل الآمنة.

وفي 24 سبتمبر/أيلول، قالت وزارة التنمية الاجتماعية إن نحو 20 ألف شخص ما زالوا يعيشون في مبانٍ معرضة لخطر الانهيار، مستندة إلى تقديرات الدفاع المدني، وحذرت من أن الأمطار والرياح قد تزيد من مخاطر انهيار هذه المنشآت.

الشتاء والصحة.. معادلة شديدة الخطورة

في ظل هذه الظروف، يصبح البرد والرطوبة والمياه الملوثة عوامل إضافية تضغط على نظام صحي يعاني أصلًا من نقص الموارد والخدمات.

وتشير اليونيسف إلى أن الأطفال معرضون بصورة خاصة لانخفاض حرارة الجسم والتهابات الجهاز التنفسي والأمراض المنقولة بالمياه، فيما يواجه الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية أو أمراض سابقة مخاطر أكبر.

كما تؤكد وزارة التنمية الاجتماعية أن الشتاء يمثل أزمة مترابطة تشمل المأوى والمياه والصرف الصحي والصحة والتغذية والحماية والوصول إلى الخدمات، وليس مجرد نقص في الخيام.

الاحتياجات العاجلة.. ما الذي تحتاجه غزة قبل اشتداد الشتاء؟

تحتاج الاستجابة الشتوية إلى الانتقال من التعامل مع الأضرار بعد وقوعها إلى الاستعداد المسبق، وتشمل الأولويات العاجلة:

▪️ توفير 200 ألف خيمة جديدة و300 ألف شادر مقاوم للأمطار والرياح.

▪️ توفير البطانيات والفرش والمراتب والملابس الشتوية ومواد العزل.

▪️ توفير وسائل تدفئة آمنة، خصوصًا للأطفال وكبار السن والمرضى، مع تجنب الوسائل التي قد تسبب حرائق داخل الخيام.

▪️ إعادة تأهيل مواقع النزوح ورفع كفاءة تصريف مياه الأمطار وفتح قنوات التصريف وتنظيفها.

▪️ معالجة تجمعات مياه الصرف الصحي ومنع اختلاطها بمياه الأمطار ومناطق المعيشة.

▪️ إزالة النفايات ومكافحة الحشرات والقوارض ومصادر التلوث.

▪️ توفير الوقود والمولدات وقطع الغيار لتشغيل مرافق المياه والصرف الصحي والخدمات الصحية.

▪️ إدخال المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الأنقاض ومعالجة المباني الخطرة.

▪️ إجراء تقييمات عاجلة للمباني المتضررة وإخلاء المنشآت الأكثر خطورة وتوفير بدائل آمنة لسكانها.

▪️ تعزيز الخدمات الصحية المتنقلة، خصوصًا في مخيمات النزوح، وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية.

▪️ توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والعائلات التي تعيش تحت ضغط النزوح المتكرر.

▪️ إعطاء الأولوية للرضع والأطفال، والنساء الحوامل والمرضعات، وكبار السن، وذوي الإعاقة، والمصابين ومبتوري الأطراف، والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة.

فصل الشتاء.. الاستجابة قبل أن تتحول الأمطار إلى كارثة

تدخل غزة الشتاء وهي تحمل آثار مواسم نزوح متكررة، وخيامًا استُخدمت لفترات طويلة، ومبانٍ متضررة، وشبكات مياه وصرف صحي متهالكة.

ولهذا فإن حملة الشتاء لا ينبغي أن تقتصر على توزيع البطانيات والملابس، بل تحتاج إلى استجابة متكاملة تبدأ من المأوى الآمن وتمتد إلى المياه والصرف الصحي والصحة والنظافة والتدفئة والحماية.

وتشير اليونيسف إلى أن استجابتها الشتوية 2026–2027 تركز على الأطفال والأسر المتضررة من النزوح ونقص المأوى، وكذلك المعرضين للفيضانات والبرد القارس وانقطاع الخدمات الأساسية.

أما على الأرض، فإن كل يوم يسبق اشتداد الشتاء يمثل فرصة لتقليل المخاطر: استبدال الخيام المتهالكة، تجهيز مواقع النزوح، فتح مجاري تصريف المياه، معالجة الصرف الصحي، إزالة النفايات، تأمين التدفئة، وتوفير بدائل للمباني الآيلة للسقوط.

فالشتاء في غزة لا يأتي على مخيمات مستقرة ومنازل آمنة، بل على خيام أنهكها الاستخدام، ومبانٍ أنهكتها الحرب، وبنية تحتية لم تعد قادرة على أداء وظائفها الأساسية.

ومع اقتراب الأمطار، تتحول الاستجابة الشتوية من برنامج إغاثي موسمي إلى تدخل عاجل لحماية الحياة، وتقليل مخاطر المرض والإصابة وفقدان المأوى، خصوصًا بين الأطفال والفئات الأكثر هشاشة.