أكثر من 2.7 مليون شجرة مثمرة دمرها الاحتلال الإسرائيلي.
86% من البساتين المنتجة في غزة خارج الخدمة
الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 لم تقتلع الأشجار فحسب، بل ضربت مصدر غذاء ورزق آلاف الأسر الزراعية، ووجهت ضربة طويلة الأمد لقدرة القطاع على إنتاج الغذاء، حيث تكشف بيانات أولية صادرة عن وزارة الزراعة في قطاع غزة حجم كارثة زراعية غير مسبوقة خلّفتها الحرب خلال الفترة بين عامي 2023 و2025، بعدما طالت عمليات الجيش الإسرائيلي من التجريف والتدمير الجزء الأكبر من البساتين الشجرية المنتجة، واقتلعت ملايين الأشجار المثمرة، وألحقت أضرارًا واسعة بشبكات الري والطرق الزراعية والبنية التحتية اللازمة لاستمرار الإنتاج.
وبحسب التقييم الأولي، تعرض 85,224.80 دونمًا من البساتين الشجرية للتجريف والتدمير، من أصل 99,098.60 دونمًا كانت منتجة قبل الحرب، أي أن نحو 86% من إجمالي المساحة المنتجة تعرض للضرر.
لكن حجم الكارثة يتجاوز مساحة الأرض المدمرة؛ فقد أدت الحرب إلى اقتلاع وتجريف 2,772,134 شجرة مثمرة من مختلف الأنواع، ما تسبب في فقدان قدرة إنتاجية تقدر بنحو 111,220 طنًا من المحاصيل الشجرية.
كما أن الأرقام لا توثق خسارة موسم زراعي واحد، وإنما توثق تدمير أصول زراعية احتاجت سنوات طويلة حتى تصل إلى مرحلة الإنتاج.
ومن بين الأشجار التي تعرضت للاقتلاع والتدمير:
وتكتسب أشجار الزيتون أهمية خاصة في غزة، ليس فقط باعتبارها محصولًا زراعيًا رئيسيًا، وإنما لارتباطها المباشر بمصادر دخل الأسر الزراعية، وبالغذاء المحلي، وبالهوية الاجتماعية والثقافية للأرض.
فالشجرة التي اقتُلعت خلال الحرب كانت في كثير من الحالات تمثل سنوات من العمل والإنتاج ومصدر دخل لعائلة بأكملها.
86% من البساتين المنتجة تضررت
يمثل تضرر 86% من البساتين الشجرية المنتجة مؤشرًا على أن الضرر لم يعد محصورًا في مزارع أو مناطق محددة، بل طال قاعدة الإنتاج الزراعي نفسها.
كما امتدت الأضرار إلى شبكات الري في كامل المساحة المتضررة البالغة 85,224.80 دونمًا، إلى جانب الطرق الزراعية والأسوار والمنشآت والمرافق المرتبطة بالنشاط الزراعي.
وهذا يعني أن إعادة زراعة الأرض وحدها لن تكون كافية؛ فالمزارع الذي فقد أشجاره قد يجد نفسه أمام أرض تحتاج إلى إعادة تأهيل، وشبكة ري تحتاج إلى إصلاح، وطريق زراعي يحتاج إلى إعادة فتح، ومنشآت تحتاج إلى إعادة بناء.
111 ألف طن من الإنتاج.. خسارة تمس الأمن الغذائي
تقدر البيانات خسارة الطاقة الإنتاجية بنحو 111,220 طنًا من المحاصيل الشجرية.
ويمثل هذا الرقم أكثر من خسارة اقتصادية للمزارعين؛ فهو يعني أيضًا انخفاض قدرة غزة على توفير المنتجات الزراعية محليًا، وزيادة الضغوط على الأسواق والأسعار، وفقدان مصادر غذاء وفرص عمل مرتبطة بسلسلة الإنتاج الزراعي.
وفي قطاع يعاني أصلًا من أزمة إنسانية وغذائية عميقة، يصبح تدمير الإنتاج الزراعي جزءًا من أزمة الأمن الغذائي نفسها.
كما تزداد خطورة الأضرار الزراعية بسبب انتشار الركام والمخلفات الحربية في مساحات من الأراضي المتضررة، الأمر الذي يعيق الوصول إليها واستصلاحها وإعادة زراعتها.
وتحتاج هذه الأراضي إلى عمليات مسح وتأهيل متخصصة قبل أن تصبح آمنة وقابلة للاستخدام الزراعي من جديد.
وبالتالي، فإن انتهاء العمليات العسكرية لا يعني عودة الزراعة بصورة تلقائية؛ فهناك سنوات من إعادة التأهيل والاستثمار تفصل بين انتهاء الحرب وعودة البساتين إلى الإنتاج.
شجرة جديدة لا تعني محصولًا جديدًا غدًا
تواجه عملية التعافي تحديًا إضافيًا يتمثل في الطبيعة طويلة الأمد للبستنة الشجرية.
فإعادة زراعة الزيتون والحمضيات وأشجار الفاكهة تحتاج إلى توفير الشتلات والمستلزمات الزراعية، وإعادة تأهيل الأرض وشبكات الري، ثم رعاية الأشجار الجديدة لسنوات قبل أن تصل إلى مرحلة إنتاج اقتصادي.
ولهذا فإن إعادة بناء القطاع الزراعي لا يمكن أن تكون مجرد حملة لتوزيع الشتلات، بل تحتاج إلى برنامج تعافٍ طويل الأمد يضمن للمزارعين القدرة على الاستمرار خلال السنوات التي تسبق عودة الإنتاج.
الزراعة في غزة.. معركة من أجل الغذاء والرزق
تضع هذه الأرقام قطاع البستنة الشجرية أمام واحدة من أكبر عمليات إعادة البناء الزراعي التي شهدها القطاع.
وتشدد وزارة الزراعة على الحاجة إلى تدخل عاجل ومنظم يشمل إزالة الركام والمخلفات الحربية، وتأهيل الأراضي، وإعادة بناء شبكات الري والطرق الزراعية والأسوار والمنشآت، وتوفير الأشجار والشتلات والمستلزمات الزراعية، إلى جانب تعويض المزارعين ودعمهم ماليًا وفنيًا.
لكن البعد الإنساني لهذه المهمة يتجاوز إعادة الأرض إلى الإنتاج.
فخلف كل شجرة مقتلعة، هناك مزارع فقد مصدر رزقه؛ وخلف كل دونم مدمر، هناك أرض كانت تنتج غذاءً؛ وخلف أكثر من 2.7 مليون شجرة، هناك سنوات من العمل والاستثمار والذاكرة الزراعية التي لا يمكن استعادتها في موسم واحد.
غزة لم تفقد أشجارها فقط.. لقد فقدت جزءًا من قدرتها على إطعام نفسها، وآلاف الأسر فقدت مصدر رزقها، فيما ستحتاج الأرض إلى سنوات حتى تستعيد ما دمرته الحرب.