في الوقت الذي يحتفي فيه العالم باليوم العالمي للعمل الإنساني، تقف الأرقام شاهدة على كلفة إنسانية متصاعدة يدفعها العاملون في الخطوط الأمامية، أولئك الذين يصلون إلى المناطق التي يغادرها الآخرون، ويحملون الغذاء والدواء والماء، ويعملون في المستشفيات والمخيمات وتحت القصف، لإنقاذ من أنهكتهم الحروب والكوارث.
وتُظهر بيانات عام 2026 التي ترصد واقع العمل الإنساني عالميًا أن 350 عاملاً إنسانيًا قُتلوا خلال عام 2025، فيما تجاوز عدد العاملين الإنسانيين الذين فقدوا حياتهم خلال السنوات الثلاث الأخيرة ألف شخص، في مؤشر يعكس اتساع المخاطر التي باتت تحيط بالاستجابة الإنسانية في مناطق الأزمات.
ولا تقتصر الخسائر على القتل؛ إذ بلغ عدد العاملين الإنسانيين الذين تعرضوا خلال عام واحد للقتل أو الإصابات البليغة أو الاختطاف 907 ضحايا، بينما سُجلت 243 اعتداءً رئيسيًا منذ مطلع عام 2026 وحتى نهاية يوليو/تموز.
غزة.. المكان الأخطر على من يحملون طوق النجاة
في صدارة هذه المشهد تأتي قطاع غزة، الذي تصفه البيانات بأنه أخطر مكان في العالم على حياة العاملين الإنسانيين للعام الثالث على التوالي جراء حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع.
وخلال عام واحد، قتل الاحتلال الإسرائيلي 186 عاملاً إنسانيًا في غزة، بما يمثل أكثر من 53% من إجمالي الوفيات المسجلة بين العاملين في المجال الإنساني عالميًا.
ولا تعكس هذه الأرقام حجم الخطر الذي يواجهه العاملون الإنسانيون وحدهم، بل تمتد إلى القطاع الصحي في فلسطين الذي يشكل خط الدفاع الأول عن حياة المدنيين.
وتشير سجلات وزارة الصحة الفلسطينية و المنظمات الدولية إلى استشهاد أكثر من 1,172 من الكوادر الصحية في غزة، بينهم 115 طبيبًا و290 ممرضًا، إلى جانب حالات موثقة من الاعتقال والتعذيب بحق عاملين في القطاع الصحي من قبل الجيش الإسرائيلي.
وراء كل رقم من هذه الأرقام قصة إنسان؛ طبيب كان يحاول إنقاذ مصاب، وممرض ظل إلى جانب مرضاه، ومسعف حمل جريحًا إلى مكان آمن، وعامل إغاثة حاول إيصال الغذاء أو الدواء إلى أسرة تنتظر المساعدة.
السودان.. ثاني أخطر بؤر العمل الإنساني
وفي السودان، الذي يعيش واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا، قُتل 71 عاملاً إنسانيًا خلال عام واحد، ليأتي في المرتبة الثانية بعد غزة من حيث عدد العاملين الإنسانيين الذين فقدوا حياتهم.
وتعكس هذه الأرقام حجم المخاطر الأمنية التي تواجه المنظمات الإنسانية المحلية والدولية، والعاملين الذين يواصلون تقديم المساعدة في بيئات شديدة الخطورة.
252 مليون إنسان ينتظرون المساعدة
وفي الجانب الآخر من المعادلة، تتسع دائرة الاحتياج الإنساني عالميًا.
ففي عام 2026، يحتاج نحو 252 مليون إنسان إلى مساعدات إنسانية عاجلة حول العالم، بينما تبلغ الاحتياجات التمويلية لخطط الاستجابة الإنسانية في 50 دولة نحو 33 مليار دولار.
لكن التمويل المتاح لا يزال بعيدًا عن حجم الاحتياجات؛ إذ لم تتجاوز نسبة التمويل الذي وصل فعليًا 24.4%، ما يعني وجود فجوة تمويلية تبلغ 75.6%، وهي فجوة تهدد قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى ملايين المحتاجين بالغذاء والماء والرعاية الصحية والمأوى والحماية.
أرقام تختصر أزمة كاملة
- 350 عاملًا إنسانيًا قُتلوا خلال عام.
- أكثر من 1,000 فقدوا حياتهم خلال ثلاث سنوات.
- 907 ضحايا للقتل أو الإصابة البليغة أو الاختطاف خلال عام واحد.
- 243 اعتداءً رئيسيًا منذ بداية 2026 وحتى نهاية يوليو.
- 186 عاملًا إنسانيًا قُتلوا في غزة خلال عام.
- 71 عاملًا إنسانيًا قُتلوا في السودان.
- أكثر من 1,172 من الكوادر الصحية قتلهم الاحتلال الإسرائيلي في غزة.
- 115 طبيبًا و290 ممرضًا من بينهم.
- 252 مليون إنسان بحاجة إلى مساعدات عاجلة.
- 33 مليار دولار مطلوبة لتمويل الاستجابة في 50 دولة.
- 24.4% فقط من التمويل تم توفيره.
في يومهم العالمي.. حماية من يحمون الإنسانية
في اليوم العالمي للعمل الإنساني، لا تبدو هذه الأرقام مجرد إحصاءات في تقرير دولي، بل وجوهًا غابت عن عائلاتها، وأيادي توقفت عن مدّ يد العون، وأصواتًا لم تعد تصل إلى من كانوا ينتظرونها.
فالعاملون الإنسانيون ليسوا مجرد جزء من الاستجابة للأزمات؛ إنهم شريانها الذي يصل بين الاحتياج والمساعدة، وبين الخوف والأمان، وبين الجرح والعلاج.
وحين يصبح من يحمل الغذاء والدواء والماء هدفًا، فإن الخطر لا يهدد العامل الإنساني وحده، بل يهدد قدرة العالم على الوصول إلى من يحتاجون المساعدة.
في اليوم العالمي للعمل الإنساني..
أنقذوا من ينقذ.
العاملون الإنسانيون ليسوا هدفًا.