Skip to main content
آخر
الاخبار

من غزة إلى دارفور ولبنان.. الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وصناعة الإرث الإنساني

 

 
لم يكن العمل الإنساني في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - رحمه الله،  مجرد نشاط إغاثي أو مساهمة مالية، بل تحوّل إلى سياسة دولة ورؤية استراتيجية، أعادت رسم مكانة قطر على خريطة العمل الإنساني الدولي، وجعلت من الإنسان محورًا رئيسيًا في سياساتها الخارجية والتنموية.
 
فخلال فترة حكمه بين عامي 1995 و2013، شهدت قطر نقلة تاريخية انتقل فيها العمل الخيري من المبادرات التقليدية إلى منظومة مؤسسية متكاملة، تقوم على التشريع والحوكمة والاستدامة والشراكات الدولية، حتى أصبحت الدولة واحدة من أبرز المانحين والداعمين للبرامج الإنسانية والتنموية في العالم.
y7

 

 
 
 
رؤية إنسانية تتجاوز الإغاثة
 
آمن الأمير الوالد بأن المساعدات الإنسانية لا ينبغي أن تقتصر على توزيع الغذاء والدواء، وإنما يجب أن تمتد إلى بناء المدارس والمستشفيات، وتأهيل المجتمعات، وتمكين الإنسان من استعادة حياته وكرامته.
ومن هذا المنطلق، تبنت قطر نهجًا يقوم على الجمع بين الإغاثة العاجلة والتنمية طويلة الأمد، لتصبح مشاريعها الإنسانية أدوات لإعادة بناء المجتمعات وليس فقط الاستجابة للكوارث.
 
بناء منظومة إنسانية متكاملة
 
أدرك الشيخ حمد بن خليفة أن نجاح العمل الإنساني يحتاج إلى مؤسسات قوية وتشريعات واضحة، فشهد عهده تأسيس وتطوير أهم المؤسسات الإنسانية القطرية التي أصبحت لاحقًا من أبرز الفاعلين على مستوى العالم.
وكان أبرز هذه المحطات إصدار القانون رقم (13) لسنة 2004 بإنشاء الهيئة القطرية للأعمال الخيرية، التي تولت تنظيم القطاع الخيري والإشراف عليه، ووضع الضوابط المتعلقة بجمع التبرعات وتحويل الأموال والرقابة على المشاريع الإنسانية، بما عزز مبادئ الشفافية والحوكمة.
 
كما توسعت خلال تلك المرحلة المؤسسات الإنسانية الكبرى، وفي مقدمتها:
•    قطر الخيرية التي تحولت إلى واحدة من أكبر المنظمات الإنسانية والتنموية في المنطقة، ونفذت آلاف المشاريع في مجالات التعليم والصحة والمياه وكفالة الأيتام والأمن الغذائي وتمكين الأسر. 
•    الهلال الأحمر القطري الذي عزز حضوره في الاستجابة للكوارث والطوارئ والرعاية الصحية في عشرات الدول. 
•    دعم مؤسسات إنسانية أخرى مثل مؤسسة الشيخ عيد الخيرية ومؤسسة راف (التي عادت لاحقًا باسم مؤسسة ثاني بن عبد الله الإنسانية). 
 
صندوق قطر للتنمية... الذراع التنموية للدولة
 
وفي عام 2002، أُنشئ صندوق قطر للتنمية ليكون الذراع الرسمي للدولة في تنفيذ المشاريع التنموية والإنسانية حول العالم.
ولم تقتصر مساهمات الصندوق على الإغاثة، بل شملت:
 
•    بناء المدارس والجامعات. 
•    إنشاء المستشفيات والمراكز الصحية. 
•    مشاريع المياه والطاقة. 
•    دعم الأمن الغذائي. 
•    إعادة إعمار المناطق المنكوبة. 
•    الاستجابة للكوارث الطبيعية والنزاعات المسلحة. 
 
قطر شريك رئيسي للعمل الإنساني الدولي
 
في عهد الأمير الوالد، أصبحت قطر شريكًا رئيسيًا للأمم المتحدة والوكالات الإنسانية الدولية، وارتفعت مساهماتها في تمويل برامج الإغاثة والتنمية، مع توسيع الشراكات مع المنظمات الدولية لتنفيذ مشاريع في مناطق النزاعات والكوارث.
وامتدت التدخلات القطرية إلى عشرات الدول، من بينها:
•    فلسطين وقطاع غزة. 
•    لبنان. 
•    السودان (دارفور). 
•    الصومال. 
•    باكستان بعد الزلازل والفيضانات. 
•    هايتي بعد زلزال 2010. 
•    القرن الإفريقي. 
•    دول آسيوية وإفريقية عديدة. 
 
لبنان... إعادة إعمار قبل أن تهدأ الحرب
 
بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، كانت قطر من أوائل الدول التي أعلنت تبني إعادة إعمار القرى والبلدات المدمرة في الجنوب.
ولم يكن الدعم مجرد تعهدات مالية، بل تُرجم إلى مساكن ومدارس وطرق ومرافق أعادت الحياة إلى مناطق دمرتها الحرب.
وفي عام 2010، قام الأمير الوالد بجولة تاريخية في الجنوب اللبناني، كانت الأولى من نوعها لزعيم عربي، حيث أكد أن إعادة الإعمار ليست مجرد بناء للحجر، وإنما إعادة بناء للإنسان والمجتمع.
وقال حينها إن اللبنانيين أمام معركة لإعادة إعمار مجتمعهم، "فإما أن يكسبوها جميعًا أو يخسروها جميعًا".
 
غزة... أول زعيم عربي يكسر الحصار
 
شكّلت زيارة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى قطاع غزة في أكتوبر 2012 محطة تاريخية، إذ أصبح أول زعيم عربي يدخل القطاع منذ فرض الحصار الإسرائيلي.
وحملت الزيارة رسالة سياسية وإنسانية في آن واحد، إذ أعلن خلالها عن منحة بقيمة 400 مليون دولار لإعادة إعمار غزة.
وشملت المنحة:
  1. إنشاء مدينة الشيخ حمد السكنية. 
  2.  إعادة بناء الطرق الرئيسية. 
  3.  تطوير البنية التحتية. 
  4.   إنشاء مرافق صحية. 
  5.   دعم المشاريع الزراعية. 
  6.   إنشاء مستشفى للتأهيل والأطراف الصناعية لخدمة الجرحى. 
  7. ولم تكن تلك المشاريع مجرد مساعدات، بل استثمارًا في مستقبل الإنسان الفلسطيني.
 
 
دارفور... عندما التقت الوساطة بالعمل الإنساني
 
لم تكتف قطر بتقديم المساعدات الإنسانية لإقليم دارفور، بل قادت واحدة من أبرز جهود الوساطة السياسية التي انتهت بتوقيع اتفاق الدوحة لسلام دارفور عام 2013.
وأدرك الأمير الوالد أن السلام لا يستمر دون تنمية، فخصصت قطر نحو 500 مليون دولار لإعادة بناء القرى والمساكن والأسواق والمدارس والمساجد، بما ساهم في استقرار آلاف الأسر النازحة.
 
التعليم... استثمار في الإنسان
 
كان التعليم أحد أهم أعمدة الرؤية الإنسانية للأمير الوالد.
وفي هذا السياق، أُطلقت عام 2012 مبادرة التعليم فوق الجميع بمبادرة من صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، لتوفير التعليم لملايين الأطفال المحرومين حول العالم.
وأصبحت المبادرة واحدة من أكبر البرامج التعليمية الإنسانية عالميًا، انطلاقًا من قناعة بأن التعليم هو الطريق الحقيقي للخروج من الفقر والنزاعات.
 
العمل الإنساني... نهج دولة لا مبادرة أفراد
 
أسهم الأمير الوالد في ترسيخ ثقافة العمل التطوعي داخل المجتمع القطري، وتأهيل كوادر وطنية للعمل الإنساني، وتطوير البيئة التشريعية المنظمة للقطاع، بما عزز الشفافية وكفاءة إدارة المشاريع.
 
ولم يتوقف هذا النهج بانتهاء فترة حكمه، بل استمرت قطر في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في البناء على هذا الإرث، وتوسيع حضورها في الاستجابة الإنسانية والوساطات الدولية.
 
كما واصل الأمير الوالد دعمه المباشر للعمل الخيري، بإطلاق مؤسسة حمد بن خليفة الخيرية عام 2024، لتواصل تقديم الدعم في مجالات التعليم والصحة والتنمية الاجتماعية داخل قطر وخارجها.
 
إرث إنساني يتجاوز الأرقام
 
يصعب اختزال إرث الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في حجم المساعدات أو عدد المشاريع، فالأثر الحقيقي يكمن في ملايين الأشخاص الذين وجدوا في المبادرات القطرية فرصة للنجاة أو التعليم أو العلاج أو العودة إلى حياة أكثر كرامة.
 
لقد أسهم -رحمه الله- في تحويل العمل الإنساني من استجابة طارئة إلى مشروع حضاري متكامل، يقوم على بناء الإنسان قبل البنيان، ويؤمن بأن التنمية والكرامة هما الوجه الآخر للإغاثة.
 
وبذلك، لم يترك الأمير الوالد مؤسسات فاعلة ومشاريع ممتدة في أنحاء العالم فحسب، بل رسّخ نهجًا جعل من العمل الإنساني أحد أبرز ملامح السياسة القطرية، وإرثًا سيظل حاضرًا في ذاكرة المجتمعات التي امتدت إليها يد العون في أصعب لحظات الحرب والجوع والنزوح والكوارث.