بينما تتجه أنظار العالم إلى أزمات وصراعات جديدة، تتواصل في اليمن واحدة من أطول وأقسى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعيش ملايين المدنيين بين النزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية، وسط تراجع الاهتمام الدولي وتقلص التمويل الإنساني، الأمر الذي يهدد حياة الفئات الأكثر ضعفًا، وفي مقدمتهم الأطفال والنساء والمرضى.
وبعد أكثر من عقد من الصراع، لم تعد معاناة اليمنيين تقتصر على آثار الحرب المباشرة، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث أصبح الحصول على الغذاء أو الماء أو العلاج أو التعليم تحديًا مستمرًا لملايين الأسر التي فقدت مصادر دخلها ومنازلها وشعورها بالأمان.
ويعتمد اليوم وفقاً للأمم المتحدة نحو20 مليون شخص على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، فيما لا يزال قرابة 5 ملايين نازح داخليًا يعيشون في ظروف نزوح متكررة، متنقلين من منطقة إلى أخرى هربًا من الصراع أو الكوارث الطبيعية، دون أن يجد كثير منهم مأوى دائمًا أو استقرارًا حقيقيًا.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن نحو 80% من سكان اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة، بينما يعاني أكثر من 35 مليون شخص من الفقر متعدد الأبعاد، في ظل انهيار اقتصادي حاد وارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية.
قصص تختصر المأساة
وراء هذه الأرقام تقف حكايات إنسانية تعكس حجم المعاناة اليومية.
بسمة، وهي أم نازحة من محافظة الحديدة، اضطرت إلى الفرار مع أطفالها بحثًا عن الأمان والمياه. ولسنوات طويلة كانت تقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام لتأمين بضعة لترات من المياه، حتى فقد أحد أطفالها وعيه من شدة العطش أثناء الانتظار تحت حرارة الشمس، قبل أن يخفف مشروع مياه جديد جزءًا من معاناة قريتها.
أما إبراهيم، وهو رجل سبعيني نزح بسبب الفيضانات في محافظة مأرب، فقد حمل ابنه من ذوي الإعاقة على ظهره بعدما اجتاحت السيول المخيم الذي كان يؤويه. فقد الرجل منزله وممتلكاته، لكنه لم يكن يفكر سوى في إنقاذ ابنه، ليجد نفسه اليوم يعيش داخل خيمة مؤقتة تعتمد على مساعدات قد تصل أو قد تتأخر.
كما تجسد قصة محمد، وهو مهاجر إثيوبي، جانبًا آخر من الأزمة، بعدما علق داخل اليمن خلال رحلة بحثه عن فرصة عمل، ليتعرض للاحتجاز وسوء المعاملة قبل أن يصل منهكًا إلى أحد مراكز الاستجابة الإنسانية طالبًا العودة إلى وطنه.
انهيار صحي يهدد حياة الملايين
وتُعد الأزمة الصحية من أخطر تداعيات الصراع المستمر، إذ تعاني المستشفيات من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، بينما تتكرر موجات انتشار أمراض يمكن الوقاية منها مثل الكوليرا والحصبة والدفتيريا نتيجة تدهور خدمات المياه والصرف الصحي.
كما يواجه مرضى السرطان واقعًا بالغ الصعوبة، إذ تُسجل البلاد نحو 30 ألف إصابة جديدة بالسرطان سنويًا وفق منظمة الصحة العالمية، فيما تجاوز عدد الإصابات 100 ألف حالة منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عشر سنوات.
وتُسجل سنويًا نحو 12 ألف وفاة بسبب المرض، بينما تشير تقديرات طبية إلى أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى بكثير، نتيجة وفاة آلاف المرضى في المناطق النائية دون تسجيلهم رسميًا أو حصولهم على العلاج.
الأطفال... الضحية الأكبر
ولا يزال الأطفال يدفعون الثمن الأكبر للأزمة الإنسانية، حيث يوجد أكثر من مليوني طفل وشاب خارج مقاعد الدراسة بسبب الحرب وفقاً لليونيسف، بينما يحرم ملايين آخرون من المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي، الأمر الذي يهدد صحتهم ومستقبلهم في آن واحد.
وتشير البيانات الإنسانية لليونيسف إلى أن نحو 9.2 مليون طفل يفتقرون إلى خدمات المياه والصرف الصحي الأساسية، في وقت تتزايد فيه مخاطر سوء التغذية والأمراض المعدية.
احتياجات إنسانية ملحّة
ومع استمرار الأزمة، تؤكد المنظمات الإنسانية أن الأولويات العاجلة تتمثل في ضمان استمرار التمويل الإنساني، وتوفير الغذاء والمياه والرعاية الصحية، ودعم النازحين بالمأوى، وتأمين العلاج لمرضى الأمراض المزمنة والسرطان، إضافة إلى إعادة الأطفال إلى التعليم وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي.
ورغم مرور سنوات طويلة على اندلاع الأزمة، لا يزال ملايين اليمنيين يعيشون بعيدًا عن اهتمام العالم، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا واستمرارًا، حيث لم تعد المساعدات تمثل وسيلة لتحسين الحياة، بل أصبحت بالنسبة لكثير من الأسر الوسيلة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة.