Skip to main content
آخر
الاخبار

الواقع الإنساني المنسي.. مخيمات شمال الضفة بين النزوح والدمار

أكثر من 45 ألف فلسطيني نزحوا من مخيمات شمال الضفة منذ بدء العمليات العسكرية الإسرائيلية.

▪️ نزوح 22 ألف مواطن من مخيم جنين، و16 ألفاً من مخيم طولكرم، و11 ألفاً من مخيم نور شمس.

▪️ الاحتلال دمّر 1100 وحدة سكنية بشكل كامل، وألحق أضراراً جسيمة بـ4000 وحدة أخرى.

▪️ تدمير نحو 1000 محل تجاري و700 مركبة خلال العدوان المستمر.

 

 
 
في شقة صغيرة مستأجرة بمدينة طولكرم، تجلس أم محمد مستذكرة منزلها الذي غادرته قسرًا تحت وقع القصف والعمليات العسكرية للجيش الإسرائيلي. تقول بحسرة: "يارب نرجع بيتنا ونعمره.. هُجّرنا في 48 وهُجّرنا اليوم"، لتختصر بجملتها حكاية آلاف العائلات الفلسطينية التي تعيش واحدة من أكبر موجات النزوح في مخيمات شمال الضفة الغربية منذ عام 1967.
 
بعيدًا عن عدسات الكاميرات والاهتمام الإعلامي الواسع، يعيش عشرات آلاف الفلسطينيين من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس واقعًا إنسانيًا قاسيًا، بعد أن حوّلت العمليات العسكرية الإسرائيلية المخيمات إلى مناطق شبه مدمرة، وأجبرت السكان على النزوح المتكرر بين بيوت مستأجرة ومراكز إيواء ومنازل الأقارب والقرى المحيطة.
 
ومنذ بدء العملية العسكرية الإسرائيلية المسماة "السور الحديدي" مطلع عام 2025، تصاعدت وتيرة التهجير القسري في شمال الضفة الغربية، وسط دمار واسع طال المنازل والبنية التحتية وشبكات المياه والكهرباء والطرق، في مشهد يصفه السكان بأنه محاولة واضحة لتفريغ المخيمات من سكانها وتقويض رمزيتها المرتبطة بحق العودة.
 
ووفق بيانات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، فقد جرى تهجير نحو 45 ألف فلسطيني من مخيمات شمال الضفة، بينهم آلاف الأطفال والنساء وكبار السن. وتشير التقديرات إلى نزوح قرابة 22 ألف شخص من مخيم جنين، و16 ألفًا من مخيم طولكرم، إضافة إلى أكثر من 11 ألف نازح من مخيم نور شمس.
 
كما تؤكد "الأونروا" أن نحو 12 ألف طفل يعيشون حالة نزوح قسري، بينهم 4 آلاف طالب تأثرت حياتهم التعليمية بشكل مباشر، بعد إغلاق 13 مدرسة تابعة للوكالة كانت تخدم أكثر من 5 آلاف طفل في المخيمات المستهدفة.
 
وفي مخيمات طولكرم ونور شمس وفقاً للجنة الشعبية لخدمات مخيم طولكرم، أسفر العدوان الإسرائيلي المستمر عن هدم 1100 وحدة سكنية بشكل كامل، وتضرر قرابة 4000 وحدة أخرى بنسب تلف وصلت إلى 90%، إضافة إلى تدمير نحو 1000 محل تجاري و700 مركبة، ما أدى إلى شلل شبه كامل في الحياة الاقتصادية والمعيشية داخل المخيمين.
 
وأدى القصف والتدمير إلى نزوح نحو 3300 أسرة من مخيم طولكرم، ليرتفع إجمالي النازحين من مخيمي طولكرم ونور شمس إلى أكثر من 25 ألف فلسطيني يعيشون أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة، وسط نقص في المأوى والمساعدات والخدمات الأساسية.
وفي مخيم جنين، تحوّلت أحياء كاملة إلى ركام بعد عمليات التجريف والهدم المتواصلة. وتشير تقديرات اللجان الشعبية إلى تدمير نحو 1900 شقة سكنية بشكل كامل، إضافة إلى مئات المحال التجارية والمنشآت الاقتصادية، بينما تواصل الجرافات العسكرية تدمير الشوارع وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي.
 
وتقول عبير شحادة، وهي إحدى النازحات من مخيم جنين، إن الاحتلال هدم ثمانية منازل تعود لعائلتها بشكل كامل. وتضيف: "كان يومًا صعبًا جدًا حين ذهبنا لنشاهد بيتنا يُهدم أمام أعيننا. كنا نظن أن النزوح سيستمر أيامًا أو أسابيع، لكننا تجاوزنا عامًا كاملًا، واليوم حتى لو انسحب الاحتلال فلا مكان نعود إليه".
أما السيدة بسمة الشوبكي، فتصف ما جرى في مخيم طولكرم بقولها: "دمار.. دمار بالكامل، لا شيء يصلح للسكن"، في إشارة إلى حجم الخراب الذي طال المنازل والأحياء السكنية.
 
ولا تقتصر معاناة النازحين على فقدان منازلهم فقط، بل تمتد إلى حالة عدم الاستقرار المستمرة، إذ تعيش كثير من العائلات تنقلاً متكررًا بين أماكن النزوح، بسبب ارتفاع تكاليف الإيجارات، وضيق أماكن الإيواء، واستمرار الاقتحامات والقيود العسكرية.
ويمنع الاحتلال غالبية النازحين من العودة إلى المخيمات أو حتى تفقد منازلهم وأخذ مقتنياتهم الشخصية، بعد تصنيف تلك المناطق كمناطق عسكرية مغلقة. وفي حالات محدودة فقط، يُسمح لبعض الأهالي بالدخول لساعات قصيرة، ليُفاجؤوا بحجم الدمار الذي طال بيوتهم وممتلكاتهم.
 
كما يفرض الاحتلال إجراءات مشددة على الدخول إلى المخيمات، تشمل التفتيش الدقيق، ومصادرة الهواتف المحمولة، ومنع التصوير، وحرمان عائلات كاملة من الدخول تحت ذرائع أمنية، في وقت تعمدت فيه قوات الاحتلال شق شوارع جديدة فوق أنقاض المنازل المدمرة لتعزيز السيطرة العسكرية، الأمر الذي أدى إلى محو معالم تاريخية كاملة داخل المخيمات، حتى بات كثير من الأهالي غير قادرين على التعرف على مواقع بيوتهم السابقة.
 
وفي الوقت الذي تتواصل فيه عمليات الهدم والتجريف، تباهى وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بهدم 5700 منزل فلسطيني خلال العام الأخير، في مؤشر على تصاعد السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى فرض وقائع جديدة على الأرض.
ويرى مسؤولون ومختصون أن ما يجري يتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية، ويستهدف تقويض الرمزية التاريخية للمخيمات الفلسطينية المرتبطة بقضية اللاجئين وحق العودة، عبر تفريغها من سكانها وتغيير طابعها الديموغرافي والجغرافي.
 
وفي ظل هذا الواقع، تتفاقم الاحتياجات الإنسانية للنازحين، وسط نقص حاد في الدعم الإغاثي والخدمات الأساسية، بينما يواصل آلاف الفلسطينيين حياتهم في ظروف صعبة، بين الخوف من المجهول وحنين مستمر للعودة إلى منازل تحولت إلى ركام.