Skip to main content
آخر
الاخبار

التوجيهي في غزة.. حين يصبح الإنترنت شرطاً للحلم

 

 
بحلول الصباح، يسود صمتً كبير في مخيمات النزوح بقطاع غزة، بينما تتجه أنظار آلاف الطلبة إلى شاشات هواتف صغيرة يحملون عليها ما تبقى من أحلامهم. في خيام مهترئة، وتحت أصوات الطائرات المسيّرة والقصف المتواصل، بدأ طلبة الثانوية العامة "التوجيهي" معركتهم اليومية؛ ليس فقط مع الأسئلة، بل مع الكهرباء والإنترنت والخوف أيضاً.
في غزة، لم يعد امتحان الثانوية العامة مجرد اختبار دراسي، بل تحوّل إلى معركة بقاء تعليمية يخوضها جيل حُرم من المدارس والاستقرار والهدوء، ويحاول رغم ذلك التمسك بحقه في التعليم وسط واحدة من أكثر البيئات الإنسانية قسوة في العالم.
 
وفقاً لوزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، يخوض نحو 37 ألفاً و698 طالباً وطالبة في قطاع غزة امتحانات الثانوية العامة إلكترونياً عبر منصة "وايز سكول"، في تجربة استثنائية تُجرى للعام الثالث على التوالي بسبب الحرب والدمار الواسع الذي طال المؤسسات التعليمية.
وبحسب الوزارة، يبلغ إجمالي المتقدمين لامتحانات الثانوية العامة هذا العام 91 ألفاً و138 طالباً وطالبة، بينهم 37 ألفاً و698 في قطاع غزة يؤدون الامتحانات إلكترونياً، و51 ألفاً و499 في الضفة الغربية يتقدمون لها حضورياً داخل المدارس، إضافة إلى 1941 طالباً في الشتات موزعين على 46 دولة.
.
ثلاثة أعوام بلا مدارس
منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعطلت العملية التعليمية بشكل شبه كامل في القطاع. وتشير تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي والتعليم إلى أن أكثر من 91.8% من المنشآت التعليمية خرجت عن الخدمة، إما بسبب التدمير أو تحويلها إلى مراكز إيواء للنازحين.
ولمدة ثلاثة أعوام متواصلة، لم يدخل آلاف الطلبة أي مدرسة نظامية، واعتمدوا على جهودهم الذاتية والتعليم الإلكتروني في ظروف معيشية شديدة القسوة.
داخل خيمتها جنوب قطاع غزة، تتحدث الطالبة سوار بصوت يملؤه التوتر عن خوفها الدائم من انقطاع الإنترنت أو نفاد شحن الهاتف أثناء الامتحان.
تقول: "لم يعد خوفي من صعوبة الأسئلة، بل من أن ينقطع الاتصال فجأة ويضيع تعب سنوات".
ولا تقتصر معاناتها على الامتحانات فقط، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل خيمة مكتظة لا توفر أي مساحة هادئة للمذاكرة، في ظل الضجيج المستمر والطائرات المسيّرة التي لا تغادر السماء.
 
الكافيهات.. قاعات امتحان بديلة
ومع انهيار البنية التحتية للكهرباء والاتصالات، تحولت المقاهي ومراكز العمل المشتركة إلى بدائل مؤقتة لقاعات الامتحانات.
في مدينة خان يونس ودير البلح، يتوافد الطلبة يومياً إلى "الكافيهات" بحثاً عن شبكة إنترنت مستقرة ومصدر لشحن الهواتف المحمولة، التي أصبحت الوسيلة الوحيدة لتقديم الاختبارات.
الطالبة بيلسان لقان، التي تعيش داخل خيمة في مواصي خان يونس، تقضي ساعات طويلة في متابعة هاتفها والتأكد من توفر الإنترنت والطاقة البديلة.
وتقول: "من الظلم أن يجتهد الطالب طوال العام ثم يخسر امتحانه بسبب انقطاع الإنترنت أو ضعف الشبكة".
وتضيف أن أصوات إطلاق النار والزوارق الحربية الإسرائيلية تجعل التركيز شبه مستحيل، بينما تزداد المعاناة مع الحر الشديد وانتشار الحشرات والقوارض داخل مخيمات النزوح.
ه

 

أما الطالبة فرح مصطفى، فتقطع مسافات طويلة للوصول إلى أماكن توفر الإنترنت والكهرباء، بعدما تعرضت لوعكة صحية بسبب حرارة الشمس والإرهاق المتواصل.
وتقول: "أصبح الذهاب إلى مقاهي الإنترنت ضرورة حتى أتمكن من الدراسة وتقديم الامتحانات".
فق

 

44

 

جيل يواجه الحرب والتعليم معاً
الطالب محمود الفرا يرى أن طلبة غزة لا يخوضون امتحانات عادية، بل يحاولون إنقاذ مستقبلهم وسط حرب مفتوحة.
ويقول: "ما يحدث هو تدمير ممنهج للتعليم. المدارس والجامعات دُمّرت، والطلاب يعتمدون فقط على أنفسهم".
ويؤكد أن القلق الأكبر لدى الطلبة لم يعد من الأسئلة، بل من الأعطال الفنية أو انقطاع الإنترنت المفاجئ الذي قد يحرمهم من إنهاء الاختبار.
وبحسب وزارة التربية والتعليم بغزة، استشهد منذ بداية الحرب نحو 16 ألف طالب مدرسي، إضافة إلى قرابة ألفي طالب جامعي، فيما تعرض عشرات آلاف الطلبة لإصابات مختلفة.
وتحوّلت غالبية المدارس في القطاع إلى مراكز إيواء للنازحين، بينما لا تزال المؤسسات التعليمية التي أعيد فتحها محدودة جداً، وغالبها عبارة عن خيام تعليمية مؤقتة.
 
معركة من أجل المستقبل
في غزة، تحوّلت الثانوية العامة إلى اختبار للصمود بقدر ما هي امتحان أكاديمي. فالطلبة هنا لا يواجهون فقط أسئلة الامتحان، بل يواجهون الحرب، والخوف، وانقطاع الكهرباء، وضعف الإنترنت، وضيق الخيام، وغياب المدارس، وثقل القلق على مستقبل مجهول.
ورغم كل ذلك، لا يزال آلاف الطلبة يتمسكون بحقهم في التعليم، ويحاولون حماية أحلامهم الصغيرة من السقوط وسط الركام.