تقضي الفلسطينية إيمان عسلية، النازحة من شمال قطاع غزة، ساعات طويلة يوميًا أمام موقد نار بدائي داخل خيمتها بمدينة غزة، تحاول إعداد ما تيسر من الطعام لأطفالها، في ظل أزمة خانقة في غاز الطهي وغياب البدائل الآمنة نتيجة الحصار والتضييق الإسرائيليين.
تجمع عسلية قطع الكرتون والبلاستيك من القمامة لإشعال النار، بعدما أصبح الحصول على أسطوانة غاز أمرًا شبه مستحيل، فيما يملأ الدخان خيمتها الضيقة، متسببًا لها بمشكلات صحية متواصلة في الجهاز التنفسي.
وتعيش عسلية مع أسرتها المكونة من تسعة أفراد، بينهم مُسن مقعد، داخل خيمة لا تتسع لاحتياجاتهم الأساسية، بينما تضطر للنهوض ليلًا ونهارًا للبحث عن مواد قابلة للاشتعال من أجل الطهي وتأمين الطعام لأطفالها.
أزمة تتفاقم تحت الحصار
بدأت أزمة غاز الطهي في غزة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، مع تشديد القيود الإسرائيلية على المعابر ومنع إدخال كثير من المواد الأساسية، بما فيها الأخشاب التي يستخدمها السكان بديلًا للغاز.
لكن الأزمة تفاقمت بشكل أكبر خلال الأشهر الأخيرة، مع تقليص كميات الغاز الداخلة إلى القطاع إلى مستويات غير مسبوقة، في وقت يعتمد فيه مئات آلاف النازحين على الطهي البدائي لإعداد الطعام.
ووفق مصادر محلية، فإن الكميات التي سُمح بإدخالها خلال فترات التهدئة لم تتجاوز بين 5 و9 شاحنات يوميًا، بينما كانت تنخفض أحيانًا إلى 4 شاحنات فقط، مع أيام إغلاق كاملة لا يدخل خلالها أي غاز.
ويؤكد مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة أن هذه الكميات لا تغطي سوى نحو 30% من الاحتياج الفعلي للقطاع، رغم أن الاتفاق الإنساني نص على إدخال 50 شاحنة وقود وغاز يوميًا.
“لا بدائل”
داخل خيمتها المشيدة على جانب الطريق، تحاول عسلية التكيف مع واقع قاسٍ فرضه النقص الحاد في الوقود والغاز، بينما أصبحت أسعار البدائل الأخرى، كالخشب، فوق قدرة العائلات النازحة.
ومع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تتخوف العائلات النازحة من تفاقم المعاناة داخل الخيام المكتظة، خاصة مع استمرار إشعال النار في أماكن ضيقة تفتقر للتهوية.
انتظار طويل مقابل كميات محدودة
الفلسطيني “أبو فادي” وقف أمام أحد موزعي الغاز بعد انتظار استمر أكثر من شهرين للحصول على أسطوانة غاز بنصف وزنها الأصلي، في مشهد يعكس حجم الأزمة التي يعيشها السكان.
ويقول إن الكمية التي يحصل عليها لا تكفي سوى لأيام قليلة، قبل العودة مجددًا إلى إشعال النار باستخدام البلاستيك والكرتون.
ويجري توزيع الكميات المحدودة عبر نظام محوسب، يضطر السكان بموجبه للانتظار لفترات طويلة مقابل بضعة كيلوغرامات لا تسد الاحتياج اليومي.
تحذيرات من كارثة إنسانية
الهيئة العامة للبترول في غزة حذرت من أن استمرار الأزمة يمثل “كارثة محققة” تهدد الأمن الغذائي والصحي، وتعطل عمل المخابز والمطابخ الجماعية والمرافق الإنسانية.
من جانبه، وصف المكتب الإعلامي الحكومي أزمة الغاز بأنها وصلت إلى “مستويات كارثية وغير مسبوقة”، مؤكدًا أن سياسة التقليص الإسرائيلية فاقمت معاناة المواطنين والنازحين.
وأشار الثوابتة إلى أن إسرائيل لم تلتزم سوى بجزء محدود من البروتوكول الإنساني الخاص بإدخال المساعدات والوقود، بينما بقيت شاحنات غاز الطهي من أكثر المواد تعرضًا للتعطيل والتأخير.
نار الطهي… ومعركة البقاء
وبين دخان المواقد البدائية وحرارة الخيام، يواصل النازحون حياتهم بأدوات قاسية فرضتها الحرب والحصار، بينما يبقى الحصول على أسطوانة غاز حلمًا مؤجلًا لعشرات آلاف الأسر الفلسطينية.