Skip to main content
آخر
الاخبار

نساء السودان النازحات… صمودٌ في وجه الحرب وصناعة الأمل وسط الانهيار

 

 
في ظل الصراع والعنف القائم في السودان، تجد النساء السودانيات أنفسهن في قلب معاناة مزدوجة، تجمع بين ويلات الحرب وقسوة النزوح. فمنذ اندلاع الصراع في أبريل 2023، أُجبرت ملايين الأسر على الفرار، لكن النساء والفتيات شكّلن النسبة الأكبر من هذا النزوح، حيث تشير التقديرات للأمم المتحدة إلى أن نحو 88% من النازحين هم من النساء والأطفال، في مشهد يعكس حجم الهشاشة التي تواجهها هذه الفئة.
 
ورغم مرور أكثر من عامين على اندلاع الحرب، لا تزال المأساة تتسع. فقد تجاوز عدد النازحين داخليًا وخارجيًا 15 مليون شخص، بينما تواجه النساء واقعًا يوميًا محفوفًا بالمخاطر، حيث تشعر 76% منهن بانعدام الأمان، سواء داخل المخيمات أو خارجها، خاصة في نقاط المياه والأسواق وأثناء التنقل ليلاً، وفق بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان.
 
رحلة نزوح لا تنتهي
بالنسبة لكثير من النساء، لم يكن النزوح نهاية المعاناة، بل بداية فصل أكثر قسوة. فاطمة، وهي مزارعة وأم سودانية، اضطرت لمغادرة منزلها تحت تهديد السلاح، تاركة خلفها أرضها وذكرياتها. تقول:
“غادرنا لأن البقاء كان يعني الموت… لم يكن لدينا خيار آخر”.
لكن الوصول إلى مخيمات النزوح لم يوفر الأمان المنشود. إذ تواجه النساء يوميًا مخاطر متعددة، أبرزها أثناء جمع الحطب، حيث يضطررن لقطع مسافات طويلة خارج المخيمات، ما يعرضهن لخطر الاعتداء. وتشير تقارير إنسانية إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع النازحين في بعض المناطق تعرضوا لأذى مباشر، بما يشمل العنف الجسدي والجنسي.

 

 

تعكس المؤشرات الإنسانية حجم الكارثة التي تعيشها النساء في السودان وفق دراسته أعدها صندوق الأمم المتحدة للسكان:
•    أكثر من 4 ملايين امرأة وفتاة معرضات لخطر العنف. 
•    مئات حالات العنف الجنسي غير المبلغ عنها بسبب الخوف والوصمة. 
•    14% فقط من تمويل قطاع الحماية متوفر، مقابل 11% للقطاع الصحي. 
•    آلاف النساء الحوامل يواجهن مخاطر صحية جسيمة في ظل نقص الرعاية الطبية. 
وفي إقليم النيل الأزرق وحده، يواجه أكثر من 100 ألف نازح خطرًا متصاعدًا مع تدهور الأوضاع، في ظل اكتظاظ مراكز الإيواء ونقص الخدمات الأساسية.
 
حين تصنع النساء الحلول
 
ورغم هذا الواقع القاسي، لا تقف النساء موقف الضحية فقط، بل يقدن مبادرات تعكس قوة التكيف والابتكار. ففي مخيمات اللجوء، شاركت نساء في تصميم مواقد طهي أكثر كفاءة تستهلك وقودًا أقل بنسبة 70%، ما خفف من حاجتهن للخروج المتكرر وجمع الحطب، وبالتالي تقليل المخاطر.
كما برز دور النساء في إدارة الشأن المجتمعي داخل المخيمات، حيث يشاركن في لجان تنظيم توزيع المساعدات وتقديم الشكاوى، ما منحهن دورًا فاعلًا في تحسين ظروف الحياة اليومية.

 

 

بالنسبة لكثيرات، يمثل الحصول على مأوى آمن نقطة تحول حقيقية. فبعض العائلات تمكنت من الانتقال من خيام هشة إلى مساكن أكثر صلابة، ما أعاد قدرًا من الشعور بالأمان، خاصة للنساء اللواتي يتحملن مسؤولية رعاية أطفالهن في بيئة غير مستقرة.
إحدى النازحات تقول:
“كنا نعيش تحت أغطية بلاستيكية ممزقة… اليوم نشعر بشيء من الأمان”.
 
أزمة تتجاوز الحدود
 
لا تنفصل مأساة السودان عن سياق عالمي أوسع، حيث يقدّر عدد النازحين حول العالم بنحو 117 مليون شخص. إلا أن تجربة النساء السودانيات تبرز كواحدة من أكثر القصص إنسانية، لما تحمله من مزيج الألم والصمود.
ورغم كل ما فقدنه، ما تزال كثير من النساء يتمسكن بالأمل. فاطمة، التي تركت أرضها خلفها، لا تزال تحلم بالعودة يومًا ما، لتبدأ من جديد فوق ترابها الذي لم يغادر قلبها.
في قلب هذه المأساة، تثبت النساء أن النزوح لا يلغي القدرة على الحياة، وأن الأمل يمكن أن يولد حتى في أكثر الأماكن هشاشة.