في الحروب، يُفترض أن يكون الصحفي شاهدًا على الحقيقة؛ عينًا ترصد، وصوتًا ينقل ما يجري من الميدان إلى العالم، ولسان حال المدنيين الذين لا منبر لهم. غير أن السنوات الماضية، ولا سيما خلال العدوان الإسرائيلي على غزة وامتدادًا لانتهاكاته في لبنان، كشفت واقعًا مغايرًا، حيث تحوّل الصحفيون والإعلاميون والمصورون إلى أهداف مباشرة لآلة الحرب؛ تُستهدف مركباتهم، وتُقصف أماكن وجودهم، وتُدمَّر مكاتبهم، في مشهد يعكس استهدافًا ممنهجًا للحقيقة ذاتها.
في قطاع غزة، وخلال حرب الإبادة، تعرّضت المؤسسات الصحفية والإعلامية لاستهداف واسع، بعضها كان يُقصف على الهواء مباشرة، بينما كانت الكاميرات لا تزال توثّق الحدث لحظة بلحظة. تلك الكاميرا التي وُجدت لتنقل الصورة وتفضح الجريمة، إنما في نظر المحتل المعتدي تهديدًا يجب إسكاتُه، والسترة الصحفية التي يفترض أن تكون درعًا للحماية، تحوّلت إلى علامة تُستفز بها آلة القتل.
هكذا، وجد الصحفيون أنفسهم بلا ضمانات حقيقية، ولا حماية دولية فاعلة، في ظل غياب المساءلة لكل من يستهدف حَمَلة الحقيقة. لتبقى الحقيقة نفسها في مرمى الاستهداف، في محاولة مستمرة لطمس الجرائم وإخفائها، بينما يواصل الصحفيون أداء رسالتهم، حاملين أرواحهم على أكفّهم، كي لا يُدفن الصوت تحت الركام.
أرقام غير مسبوقة
أعلنت لجنة حماية الصحفيين( CPJ) في تقريرها السنوي أن عام 2024 كان الأكثر دموية للصحفيين منذ بدء توثيق البيانات عام 1992، حيث قُتل 124 صحفيًا وعاملًا إعلاميًا حول العالم. وأكدت اللجنة أن ما يقارب 70% من هؤلاء قتلوا في الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان.
كما أوضحت اللجنة في تحديثات لاحقة أن الحرب على غزة وحدها أصبحت من أكثر النزاعات فتكًا بالإعلاميين في التاريخ الحديث، مع استمرار ارتفاع عدد الضحايا منذ أكتوبر 2023.
من جهتها، أعلنت منظمة مراسلون بلا حدود (Reporters Without Borders - RSF) أن غزة أصبحت “أخطر مكان في العالم على الصحفيين”، مؤكدة مقتل عشرات الإعلاميين أثناء أداء عملهم، وإصابة واعتقال آخرين، إضافة إلى تدمير مؤسسات إعلامية ومكاتب صحفية.
كما تشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى ارتفاع مستمر في عدد الضحايا الصحفيين، حيث تم الإعلان في أبريل 2026 عن تجاوز العدد الـ 260 شهيداً.
غزة... استهداف الشهود
منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023، وجد الصحفيون الفلسطينيون أنفسهم في قلب المأساة. فهم يغطّون الحرب بينما يعيشونها شخصيًا: يفقدون منازلهم، ويودّعون أفرادًا من عائلاتهم، ثم يعودون إلى الكاميرا لإكمال الرسالة.
وبحسب نقابة الصحفيين الفلسطينيين، فإن مئات الصحفيين تعرضوا للإصابة أو النزوح، فيما دُمّرت عشرات المكاتب الإعلامية، وتوقفت مؤسسات عن العمل نتيجة القصف وانقطاع الكهرباء والاتصالات.
من أبرز الوجوه التي عكست هذه المعاناة كان الصحفي وائل الدحدوح، مدير مكتب قناة الجزيرة في غزة، الذي فقد أفرادًا من أسرته في غارة إسرائيلية، ثم أصيب لاحقًا أثناء تغطيته الميدانية، في مشهد اختصر مأساة الصحفي الفلسطيني الذي يدفع ثمنًا شخصيًا ومهنيًا في آنٍ واحد.
كما قُتل عدد من الصحفيين المعروفين، بينهم مصورون ومراسلون ميدانيون أثناء وجودهم في مناطق معلومة التغطية الصحفية.
لبنان... الجبهة التي امتد إليها الاستهداف
لم يقتصر المشهد على غزة. ففي جنوب لبنان، ومع تصاعد المواجهات الحدودية، وثّقت جهات دولية حوادث استهداف لفرق إعلامية كانت تقوم بتغطية التطورات الميدانية.
في 13 أكتوبر 2023، قُتل المصور الصحفي عصام عبد الله، مراسل وكالة رويترز (Reuters)، أثناء وجوده مع مجموعة صحفيين قرب بلدة علما الشعب في جنوب لبنان، فيما أصيب ستة صحفيين آخرين من وكالة فرانس برس (AFP) والجزيرة ورويترز.
وبعد تحقيق موسّع، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) إن الضربة التي قتلت عبد الله وأصابت الصحفيين “يبدو أنها كانت هجومًا متعمدًا على مدنيين”، وهو ما قد يرقى إلى جريمة حرب.
كما خلص تحقيق أجرته منظمة العفو الدولية (Amnesty International) إلى أن القصف الإسرائيلي على المجموعة الصحفية في لبنان كان “على الأرجح هجومًا مباشرًا على مدنيين يجب التحقيق فيه كجريمة حرب”.
وفي تقارير لاحقة، واصلت لجنة حماية الصحفيين توثيق إصابات واعتداءات طالت صحفيين في جنوب لبنان أثناء التغطية الميدانية.
لماذا يُستهدف الصحفي؟
يرى مراقبون أن استهداف الإعلاميين في النزاعات الحديثة يرتبط بعدة أسباب رئيسية:
- أولًا: إسكات الرواية الميدانية
الصحفي يوثّق بالصورة والصوت ما يجري على الأرض، وقد يكشف وقائع تناقض الرواية العسكرية الرسمية. لذلك يصبح وجوده مزعجًا لمن يريد التحكم بالمشهد.
- ثانيًا: السيطرة على الرأي العام
في عصر الإعلام الرقمي، باتت الصورة القادمة من الميدان قادرة على التأثير في مواقف الحكومات والشعوب خلال دقائق. لذا أصبحت السيطرة على تدفق المعلومات جزءًا من المعركة.
- ثالثًا: الترهيب ومنع التغطية
قتل صحفي واحد أو إصابة فريق إعلامي يبعث رسالة مباشرة لبقية المراسلين بأن الاقتراب مكلف، ما يحدّ من التغطية المستقلة ويخلق فراغًا إعلاميًا.
ماذا يقول القانون الدولي؟
وفق اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها، يُعتبر الصحفيون المدنيون أشخاصًا محميين أثناء النزاعات المسلحة، ما داموا لا يشاركون مباشرة في الأعمال القتالية.
وأكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو - UNESCO) مرارًا أن قتل الصحفيين واستهدافهم يهدد حق المجتمعات في الوصول إلى المعلومات، ودعت إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الإعلاميين.
حين يُقتل الصحفي... تُقتل الحقيقة
استهداف الصحفي لا يعني فقط خسارة فردٍ يقوم بعمله، بل يعني إسكات شاهد، وطمس دليل، وحرمان العالم من معرفة ما يجري. فغياب الإعلام المستقل عن مناطق النزاع يفتح الباب أمام التضليل، ويجعل الانتهاكات أكثر سهولة وأقل كلفة.
ما جرى في غزة ولبنان خلال الحرب الأخيرة أعاد تثبيت حقيقة قاسية: في بعض الحروب، لم تعد الكاميرا محايدة، بل أصبحت هدفًا بحد ذاتها.
إذا كانت الحروب القديمة تبدأ بقصف الجبهات، فإن بعض حروب اليوم تبدأ بإسكات الصحفيين. وعندما يصبح حامل القلم والكاميرا في دائرة النار، لا تكون الصحافة وحدها تحت الهجوم، بل حق العالم بأسره في الحقيقة.