لبنان/غزة – البستان نيوز
في الحروب، لا تنتهي المأساة عند حدود الدمار والضحايا، بل تبدأ أحيانًا من داخل الطفل نفسه. فالطفل الذي ينجو من القصف، قد لا ينجو من الخوف. والطفل الذي يخرج حيًّا من تحت الركام، قد يحمل الركام في ذاكرته لسنوات طويلة. في لبنان وغزة، يتشكّل اليوم جيلٌ جديد يُعرَف بـ"جيل الحرب"، جيلٌ لم يرَ الاستقرار إلا نادرًا، ولم يعرف الطفولة بمعناها الطبيعي إلا عبر الصور والقصص.
أطفال لبنان: خوفٌ يتجاوز لحظة القصف
أظهرت منظمة اليونيسف في مسح أُجري في يناير/كانون الثاني 2025 أن 72% من مقدّمي الرعاية قالوا إن أطفالهم أصبحوا قلقين أو عصبيين خلال الحرب، بينما أفاد 62% بأن أطفالهم بدوا مكتئبين أو حزينين. وهي أرقام تعكس ارتفاعًا حادًا مقارنة ببيانات ما قبل الحرب عام 2023.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، أعلنت اليونيسف أن 166 طفلًا قُتلوا في لبنان منذ أكتوبر 2023، فيما أُصيب 1,168 طفلًا على الأقل، مؤكدة أن الحرب تخلّف جراحًا نفسية عميقة إلى جانب الإصابات الجسدية.
كما أدت موجات النزوح الواسعة إلى تفاقم معاناة الأطفال؛ إذ أُجبر مئات الآلاف على ترك منازلهم ومدارسهم. وفي مارس/آذار 2026، قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 370 ألف طفل في لبنان نزحوا خلال ثلاثة أسابيع فقط نتيجة التصعيد العسكري، بمعدل 19 ألف طفل يوميًا.
ماذا يعني ذلك نفسيًا؟
الخبراء النفسيون يربطون بين التعرّض المستمر للخوف والنزوح وبين أعراض مثل:
- التبول اللاإرادي الليلي
- الصمت المفاجئ أو الانطواء
- نوبات الغضب والصراخ
- التعلّق المفرط بالأهل
- صعوبة النوم والكوابيس
- تراجع التحصيل الدراسي والتركيز
وتؤكد اليونيسف أن التعرّض المطوّل للتوتر السام (Toxic Stress) قد يترك آثارًا صحية ونفسية تمتد مدى الحياة.
غزة: طفولة تحت الصدمة المستمرة
إذا كان أطفال لبنان يعيشون تبعات الحرب، فإن أطفال غزة يعيشون الحرب ذاتها بشكل يومي ومباشر. فقد أعلنت اليونيسف في فبراير/شباط 2024 أن ما يقارب مليون طفل في غزة، أي تقريبًا كل أطفال القطاع، يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي عاجل.
كما أشارت الأمم المتحدة إلى وجود 17 ألف طفل على الأقل غير مصحوبين بذويهم أو منفصلين عن أسرهم خلال الأشهر الأولى من الحرب.
وفي تقرير ميداني نُشر لاحقًا، أظهرت دراسة محلية أن 96% من أطفال غزة شعروا أن موتهم بات وشيكًا، فيما قال نحو نصفهم إنهم يتمنون الموت تحت وطأة الرعب المستمر.
حين تصبح الأعراض لغة يومية
منظمات إنسانية وتقارير طبية وثّقت ظهور أعراض صادمة بين أطفال غزة، منها:
- التشنجات الناتجة عن الذعر
- فقدان القدرة على الكلام
- التأتأة المفاجئة
- الكوابيس المتكررة
- نتف الشعر أو تساقطه بسبب التوتر
- عدوانية غير معتادة
- رغبة في الموت لدى أطفال صغار
كما نقلت منظمة أطباء بلا حدود أن أطفالًا بعمر خمس سنوات قالوا إنهم "يفضّلون الموت".
المدرسة لم تعد مكانًا آمنًا
الحرب لا تقتل الأطفال فقط، بل تسرق مستقبلهم. ففي لبنان، بقي أكثر من 25% من الأطفال خارج المدرسة بعد الحرب، فيما كانت النسبة 65% أثناء التصعيد.
وفي غزة، تعرّضت مئات المدارس للتدمير أو الاستخدام كمراكز نزوح، ما حرم مئات الآلاف من التعليم المنتظم.
وعندما يخسر الطفل المدرسة، فهو لا يخسر التعليم فقط، بل يخسر الروتين، والأصدقاء، والإحساس بالأمان، وهو ما يُعد عنصرًا أساسيًا في التعافي النفسي.
لماذا يختلف أثر الحرب على الطفل عن البالغ؟
الطفل لا يمتلك الأدوات العقلية لفهم ما يجري. هو لا يفسّر الطائرة بأنها "جزء من نزاع"، بل يراها خطرًا. لا يفهم النزوح كإجراء مؤقت، بل يشعر بأنه فقد بيته إلى الأبد. لذلك، فإن الدماغ في سنوات النمو يتأثر بشدة بالتوتر المزمن، ما قد ينعكس على:
- نمو الدماغ والذاكرة
- الثقة بالآخرين
- القدرة على بناء العلاقات مستقبلًا
- الصحة الجسدية والمناعة
- احتمالات الاكتئاب والقلق لاحقًا
جيل يحمل أعمارًا أكبر من سنّه
في لبنان وغزة، هناك أطفال تعلّموا أسماء الصواريخ قبل أسماء الألعاب، وحفظوا طرق الهروب قبل طرق اللعب، وكبروا سريعًا لأن الحرب لا تمنح أحدًا فرصة البقاء طفلًا.
إن أخطر ما تخلّفه الحروب ليس فقط عدد القتلى، بل عدد الناجين المكسورين من الداخل. فهؤلاء الأطفال سيصبحون شباب الغد، وإذا لم يُعالج وجعهم اليوم، فقد يتحوّل الألم إلى أزمة مجتمع كاملة في المستقبل.
الحرب تصنع دمارًا مرئيًا في الحجر، ودمارًا صامتًا في البشر. وفي لبنان وغزة، يبدو أن المعركة الحقيقية لن تنتهي بوقف إطلاق النار، بل ستبدأ بعدها: معركة إنقاذ نفسية جيل كامل من الأطفال.