غزة - بستان نيوز
في الأزقة الضيقة التي لم تُرفع عنها رائحة الركام بعد، لا يبدو أن شيئاً يُشبه "وقف إطلاق النار" قد حدث هنا. ستة أشهر مرّت على إعلان التهدئة في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لكن الواقع على الأرض يروي حكاية مختلفة؛ حكاية هدنةٍ لم تصل فعلياً إلى الناس.
في تقرير حديث، يكشف المكتب الإعلامي الحكومي في غزة عن 2,400 خرقٍ من قبل الاحتلال الإسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار خلال نصف عام فقط، أرقام لا تقف عند حدود الإحصاء، بل تمتد لتُترجم إلى 754 شهيداً و2,100 جريح—غالبيتهم المدنيين.
هدنة تُقصف يومياً
ليست هذه الخروقات أرقاماً مجردة، بل نمطاً يومياً من العنف.
921 حادثة إطلاق نار، وأكثر من 1,100 عملية قصف، إلى جانب توغلات وعمليات نسف داخل الأحياء السكنية.
في مكانٍ يفترض أن يكون آمناً بعد اتفاق، ما زالت الطلقات تُسمع، والانفجارات تُرى، والبيوت تُهدم.
وتتقاطع هذه المعطيات مع تحذيرات أممية متكررة، حيث يشير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن المدنيين في غزة ما زالوا عرضة للقتل والإصابة، رغم سريان وقف إطلاق النار، في ظل استجابة إنسانية "محدودة للغاية".
المدنيون في قلب الاستهداف
ما يلفت في هذه الأرقام ليس فقط حجمها، بل طبيعتها. أكثر من 99% من الضحايا هم من المدنيين، بينهم مئات الأطفال والنساء والمسنين. ليسوا على خطوط المواجهة، بل داخل بيوتهم. ليسوا في مناطق اشتباك، بل في أحياء سكنية.
حتى الجرحى—وعددهم يفوق 2,100—أُصيبوا جميعاً بعيداً عن ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، ما يعكس، وفق مراقبين، تحول المساحات المدنية إلى مناطق خطر مفتوحة.
الاعتقال… امتداد للخروقات
لا يتوقف الأمر عند القصف. فقد تم تسجيل 50 حالة اعتقال خلال الفترة نفسها، جميعها من داخل الأحياء السكنية، في مؤشر إضافي على استمرار العمليات الأمنية داخل المناطق المدنية، رغم بنود الاتفاق.
بعيداً عن صوت الرصاص، تتكشف أزمة أخرى أكثر صمتاً… لكنها أشد تأثيراً.
معبر رفح، الذي كان يُفترض أن يكون شريان حياة، لم يشهد سوى 2,703 مسافرين خلال أكثر من شهرين، من أصل نحو 36,800 شخص كان يفترض عبورهم.
نسبة التزام لا تتجاوز 7%.
أما المساعدات، فالصورة أكثر قتامة:
- دخل إلى القطاع 41,714 شاحنة فقط من أصل 110,400، أي أقل من نصف الكمية المتفق عليها.
والأخطر، أن الوقود—العمود الفقري للحياة اليومية—لم يدخل منه سوى 14% من الكميات المطلوبة.
في قطاع يعتمد على المساعدات للبقاء، هذه الأرقام لا تعني نقصاً فقط… بل تهديداً مباشراً للحياة.
حياة معلّقة بين الركام والانتظار
خلف هذه الأرقام، تقف تفاصيل يومية قاسية:
منازل لم تُرمم، جثامين ما زالت تحت الأنقاض، مستشفيات تفتقر للأدوية، وعائلات تنتظر خيمة لم تصل.
وبحسب ما يورده تقرير المكتب الحكومي في قطاع غزة، لم يتم إدخال:
- المعدات الثقيلة لإزالة الركام
- المستلزمات الطبية الأساسية
- مواد الإيواء والخيام
- ولا حتى الوقود الكافي لتشغيل الكهرباء
مما يجعل “مرحلة ما بعد الحرب” تبدو، في الواقع، امتداداً لها.
اتفاق بلا تنفيذ؟
الاتفاق الذي وُقّع لوقف النزيف، يبدو—وفق هذه المعطيات—أنه يواجه أزمة تنفيذ حقيقية.
فبين نصوص تتحدث عن انسحاب، ومساعدات، وإغاثة، وواقع يشهد قصفاً، ونقصاً، وتأخيراً. تتسع الفجوة يوماً بعد يوم.
في ظل هذا المشهد، تتصاعد الدعوات لتحرك دولي عاجل.
الأمم المتحدة حذّرت من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى مزيد من التدهور الإنساني، في وقت لا تزال فيه الاستجابة دون المستوى المطلوب.
أما المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فيحمّل الاحتلال المسؤولية الكاملة، مطالباً المجتمع الدولي والجهات الراعية للاتفاق بالتدخل الفوري، ليس فقط للحفاظ على الاتفاق، بل لإنقاذ ما تبقى من حياة.
خلاصة المشهد
ستة أشهر كانت كفيلة لاختبار جدية أي اتفاق.
في غزة، يبدو أن الاختبار لا يزال قائماً… والنتيجة حتى الآن:
هدنة على الورق،
وواقع لم يتوقف فيه العدّ.