Skip to main content
آخر
الاخبار

العبور إلى العلاج: حق إنساني مؤجل لمرضى غزة

 

 
يواجه آلاف المرضى في قطاع غزة مأساة إنسانية مركبة، تتمثل في تعطل سفر أصحاب التحويلات الطبية للعلاج خارج القطاع نتيجة الإغلاق شبه المستمر لمعبر رفح، ما أدى إلى تكدس غير مسبوق في أعداد المرضى، وسط انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، ونقص حاد في الأدوية والتجهيزات الطبية الأساسية.وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، فإن أكثر من 20 ألف مريض يحملون تحويلات طبية مكتملة، ينتظرون منذ أشهر السماح لهم بالسفر لتلقي العلاج خارج القطاع، في ظل ظروف صحية حرجة تهدد حياتهم بشكل مباشر .

أرقام صادمة: آلاف المرضى ينتظرون ومئات يموتون

تشير البيانات الرسمية إلى أن 20,000 مريض لديهم تحويلات طبية جاهزة للسفر.

من بينهم، 4,500 طفل بحاجة إلى علاج تخصصي عاجل، 4,000  مريض سرطان على قوائم الانتظار الحرجة، و440 حالة مصنفة كحالات إنقاذ حياة فوري.

كما سجلت وزارة الصحة وفاة 1,268 مريضًا خلال انتظارهم الحصول على تصريح سفر للعلاج، نتيجة تفاقم حالتهم الصحية وعدم توفر العلاج داخل القطاع .

انهيار المنظومة الصحية: مستشفيات عاجزة وأدوية مفقودة

تؤكد منظمة الصحة العالمية أن المنظومة الصحية في قطاع غزة تشهد انهيارًا شبه كامل، في ظل شلل واسع أصاب قدرتها التشغيلية والاستيعابية، حيث لا يعمل سوى 14 مستشفى جزئيًا من أصل 36، وسط تدهور خطير في توفر المعدات الطبية الحيوية، ونفاد واسع في مخزون أدوية الأمراض المزمنة وعلاجات السرطان. وتشير المنظمة إلى أن أكثر من 18,500 مريض باتوا بحاجة ماسّة إلى رعاية طبية تخصصية غير متوفرة داخل القطاع، الأمر الذي يضع حياتهم في دائرة الخطر المباشر. وفي هذا السياق، تحذر المنظمة من أن استمرار هذا الواقع الكارثي ينذر بـ ارتفاع حتمي ومتصاعد في أعداد الوفيات القابلة للتجنب، في ظل غياب الإمكانيات العلاجية والإخلاء الطبي المنتظم، ما يجعل الوضع الصحي في غزة أحد أخطر الأزمات الإنسانية الطبية في العالم.

معبر رفح: شريان حياة شبه مشلول

ومنذ إغلاق معبر رفح البري في 7 مايو 2024، تراجعت وتيرة الإجلاء الطبي بشكل حاد ومقلق، لتصل إلى مستويات غير مسبوقة من البطء، حيث سُمح بسفر 3,218 مريضًا فقط منذ الإغلاق وحتى يناير 2026، رغم تكدّس عشرات آلاف الحالات الحرجة على قوائم الانتظار. وفي فبراير 2026، وبعد إعادة فتح جزئي ومحدود للمعبر، لم يُسمح سوى بخروج خمسة مرضى فقط في اليوم الأول، من بين عشرات الحالات الجاهزة طبيًا للسفر العاجل. وتصف منظمة الصحة العالمية هذه الوتيرة بأنها "كارثة إنسانية بالأرقام"، إذ يقف 18,500 مريض على قوائم الانتظار مقابل خروج خمسة فقط، في مشهد يعكس حجم الفجوة الكارثية بين الحاجة الطبية الملحّة والقدرة الفعلية على الإخلاء والعلاج.

الأطفال: الضحية الأضعف

وتُعدّ فئة الأطفال من أكثر الفئات تضررًا من أزمة التحويلات الطبية في قطاع غزة، حيث تشير البيانات الصحية إلى أن نحو 4,500 طفل يمتلكون تحويلات طبية عاجلة، ويحتاجون إلى تدخلات تخصصية منقذة للحياة غير متوفرة داخل القطاع. وتؤكد تقارير دولية وفاة مئات الأطفال خلال فترات انتظارهم الطويلة للسفر، ولا سيما المصابين بالسرطان، وأمراض القلب الخلقية، وحالات زراعة النخاع، في ظل غياب الإمكانيات العلاجية اللازمة. وقد وثّقت تقارير أوروبية وفاة أكثر من 154 طفلًا نتيجة تعذر الإخلاء الطبي، في ما بات يُعرف بـ "الموت الصامت"، وهو توصيف يعكس حجم المأساة الإنسانية التي تحصد أرواح الأطفال بصمت على قوائم الانتظار.

وفيات بصمت: الموت على قوائم الانتظار

وبحسب تقارير دولية متقاطعة، فقد أكثر من 1,000 مريض حياتهم أثناء انتظارهم الإجلاء الطبي لتلقي العلاج خارج القطاع، غالبيتهم من مرضى السرطان، والفشل الكلوي، وأمراض القلب، إضافة إلى جرحى الحرب الذين كانوا بحاجة إلى تدخلات طبية عاجلة غير متوفرة داخل غزة. ويؤكد أطباء القطاع أن عددًا كبيرًا من هذه الوفيات كان يمكن تفاديه لو تم فتح المعبر بانتظام، وتوفير ممر طبي آمن ومستدام يسمح بسفر المرضى في الوقت المناسب، ما يجعل هذه الخسائر البشرية شهادة دامغة على حجم التقصير الإنساني والصحي المفروض على سكان القطاع.

تحذيرات أممية: كارثة صحية وشيكة

حذرت الأمم المتحدة من أن استمرار القيود المفروضة على حركة المرضى من قطاع غزة سيؤدي إلى انهيار كامل للمنظومة الصحية وارتفاع متسارع في أعداد الوفيات اليومية، مؤكدة أن الوضع القائم لم يعد يحتمل مزيدًا من التأخير أو التسويف. وطالبت بضرورة فتح ممر طبي إنساني دائم وآمن يتيح سفر مئات المرضى يوميًا بدل الأعداد المحدودة الحالية، لضمان إنقاذ الأرواح ومنع تفاقم الكارثة الإنسانية والصحية غير المسبوقة.

المسؤولية القانونية: الاحتلال في قلب الأزمة

وفي سياق هذه الكارثة الإنسانية، تؤكد منظمات حقوقية دولية أن الاحتلال الإسرائيلي يتحمّل المسؤولية القانونية المباشرة عن تفاقم أزمة مرضى التحويلات الطبية في قطاع غزة، بفعل القيود المشددة التي يفرضها على حركة الأفراد، وإغلاقه المتكرر لمعبر رفح، وتحكمه الكامل بالمجال الجوي والبري والبحري للقطاع. ووفقًا للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف الرابعة، فإن قوة الاحتلال مُلزمة بضمان توفير الرعاية الطبية للسكان المدنيين، وتأمين حرية وصول المرضى إلى العلاج، وعدم عرقلة الإخلاء الطبي في الحالات الطارئة. إلا أن الواقع الميداني يعكس انتهاكًا ممنهجًا لهذه الالتزامات القانونية، حيث تُستخدم القيود المفروضة على حركة المرضى كأداة ضغط جماعي، ما يجعل هذه الأزمة نتاجًا مباشرًا لسياسات الحصار والإغلاق المستمرة.

لم يعد مرضى التحويلات الطبية في قطاع غزة ينتظرون فرصة علاج، بل باتوا ينتظرون فرصة للبقاء على قيد الحياة. وفي ظل استمرار إغلاق المعابر، وبطء إصدار التصاريح، وغياب ممرات طبية آمنة، تتحول قوائم الانتظار الطبية يومًا بعد يوم إلى قوائم موت صامت، في واحدة من أقسى صور المعاناة الإنسانية في العصر الحديث، حيث يُترك آلاف المرضى لمواجهة مصيرهم في سباق قاسٍ مع الزمن.