البستان نيوز – فلسطين
لا تزال شجرة الزيتون تمثل عنوان الأرض والهوية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. فهذه الشجرة التي ارتبطت بتاريخ الفلسطينيين وذاكرتهم تشكل مصدر حياة أساسي لعشرات آلاف الأسر، لكنها تواجه، كسائر القطاعات الزراعية، حرب إبادة مبرمجة تهدف إلى اقتلاعها كما اقتلعت الأرض والإنسان.
مائة ألف عائلة تعتمد على الزيتون
يشكل موسم الزيتون مصدر رزق رئيسي لـ 100 ألف عائلة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، يعتمدون على بيع الزيت كمورد دخل سنوي. غير أن الاحتلال حوّل موسمي 2023 و2024 إلى موسم دماء، حيث استشهد 29 فلسطينياً داخل حقول الزيتون برصاص ميليشيات المستوطنين وجيش الاحتلال، فيما حُرم آلاف المزارعين من الوصول إلى أراضيهم أو سُرقت محاصيلهم تحت حماية قوات الاحتلال.
ويؤكد مزارعون فلسطينيون أن الاحتلال يتعمد تقييد وصولهم إلى أراضيهم، خصوصاً في محيط المستوطنات والجدار الفاصل، حيث يُسمح لهم بالدخول لعدد محدود من الأيام خلال الموسم. وتبلغ مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون في الضفة الغربية وقطاع غزة 575,167 دونماً (2021)، أي ما نسبته 85% من مساحة الأراضي المزروعة بالأشجار المثمرة، لتظل شجرة الزيتون العمود الفقري للزراعة الفلسطينية.
قيود مشددة وخسائر اقتصادية
يمثل قطاع الزيتون نحو 25% من الدخل الزراعي في فلسطين، ويساهم في تأمين سبل العيش لأكثر من 96 ألف أسرة. وتقدر العائدات السنوية للمواسم الجيدة بحوالي 200 مليون دولار، لكن الاحتلال فرض قيوداً مشددة حالت دون تمكن نحو 50% من المزارعين من قطف محاصيلهم في الأعوام الأخيرة.
ووفقاً لوزارة الزراعة الفلسطينية، انخفض إنتاج الزيت في موسم 2023 إلى 12 ألف طن فقط مقارنة بـ36 ألف طن في 2022، أي بنسبة تراجع بلغت 67%. هذه الكمية لا تكفي لتغطية الاستهلاك المحلي المقدر بـ18 ألف طن سنوياً، ما دفع إلى خسائر مباشرة في السوق المحلية.
غزة... حرب إبادة تطال الزراعة والحياة
لم يسلم قطاع غزة من الحرب الإسرائيلية الشاملة التي دمرت معظم البنية التحتية الزراعية. فبحسب بيانات رسمية، بلغت الخسائر المباشرة للقطاع الزراعي في غزة أكثر من 2.2 مليار دولار منذ السابع من أكتوبر 2023. وتشمل هذه الخسائر:
تدمير 92% من الأراضي الزراعية من أصل 178 ألف دونم.
تدمير 1,218 بئراً زراعية وإخراجها من الخدمة.
تدمير 665 مزرعة أبقار وأغنام ودواجن.
تقلص الأراضي المزروعة بالخضروات من 93 ألف دونم إلى 4 آلاف فقط.
تدمير أكثر من 85% من الدفيئات الزراعية في مختلف محافظات القطاع.
وتشير تقديرات قطاع الأمن الغذائي إلى أن مزارعي الزيتون في غزة والضفة تكبدوا خسائر مباشرة تجاوزت 10 ملايين دولار خلال موسم 2023 وحده، حيث فقدوا نحو 1200 طن متري من زيت الزيتون.
الزيتون... حياة لا تنكسر
رغم كل محاولات الاقتلاع، يبقى الزيتون عنوان صمود الفلسطينيين ورمز بقائهم على أرضهم. فالفلسطينيون الذين زرعوا الزيتون منذ قرون يدركون أن هذه الشجرة المباركة هي امتداد لوجودهم. وكما يقول أحد المزارعين في شمال الضفة الغربية: "قد يقتلعون الأشجار، لكنهم لن يقتلعوا حبنا للأرض. الزيتون سيبقى شاهداً على أننا هنا مهما اشتدت الحرب."