Skip to main content
آخر
الاخبار

بين الركام وسجون الاحتلال الإسرائيلي: المفقودون والمخفيون قسراً في غزة… الملف الأكثر إيلاما

 

 

البستان نيوز
في غزة، لا ينتهي الألم عند الموت، بل يبدأ أحياناً من الغياب. آلاف العائلات الفلسطينية تعيش على حافة الانتظار، تبحث عن إجابة قد تكون قاسية، لكنها أقل قسوة من المجهول. بين من بقوا تحت الأنقاض، ومن اختفوا في ظروف غامضة، ومن يُعتقد أنهم يقبعون خلف قضبان سجون الاحتلال الإسرائيلي دون إعلام، يتشكّل أحد أكثر الملفات الإنسانية إيلاماً وتعقيداً منذ بداية الحرب على غزة. 
الدفاع المدني في غزة وصف ملف المفقودين وانتشال الجثامين بأنه "من أصعب الملفات وأكثرها إيلاماً"، في وقت تتراكم فيه الأرقام وتتسع دائرة الغموض.
 
أرقام تعكس حجم المأساة
 
تُقدّر المصادر الطبية والدفاع المدني وجود نحو 10 آلاف مفقود لا يزالون تحت ركام المباني المدمرة منذ بداية الحرب.
وأكد الناطق باسم الدفاع المدني، محمود البصل، أن عمليات البحث والانتشال تكاد تكون متوقفة بالكامل، في ظل نقص المعدات الثقيلة واستمرار المخاطر الميدانية.
وفيما يتعلق بملف مجهولي المصير، أوضح مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، أن نحو 10 آلاف مفقود ما زالوا تحت الأنقاض، إضافة إلى قرابة 5 آلاف مفقود مجهول المصير في مختلف أنحاء القطاع، انقطع التواصل معهم تماماً، دون معلومات مؤكدة حول ما إذا كانوا شهداء لم يُنتشلوا أو معتقلين لم يُعلن عن احتجازهم.
أما على صعيد التوثيق الرسمي، فقد أكد المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً تسجيل نحو 5,800 مفقود ومختفٍ قسراً في قوائمه الرسمية، في ظل صعوبات كبيرة تعيق التحقق الميداني بسبب الأوضاع الأمنية وطمس الاحتلال الإسرائيلي هذه القضية ولا يتعاطى معها حقوقياً وإنسانياً أو أخلاقياً. 
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، في 8 فبراير/شباط 2026، إطلاق جهود رسمية لتوثيق مصير 322 مفقوداً عبر بوابات إلكترونية مخصصة.
وتشير تقديرات المركز الفلسطيني إلى وجود ما بين 8,000 و9,000 حالة فقدان أو إخفاء قسري، مع تلقي نحو 5,000 بلاغ رسمي حتى الآن.
 
 
الإخفاء القسري… الغياب خلف القضبان
 
يتداخل ملف المفقودين تحت الأنقاض مع ملف آخر أكثر غموضاً: الإخفاء القسري داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي. تواجه آلاف العائلات حالة انقطاع كامل للمعلومات حول أبنائها المعتقلين، حيث ترفض السلطات الاحتلال الإسرائيلية، الكشف عن أماكن احتجازهم أو أوضاعهم الصحية.
منظمات حقوقية، من بينها مركز "الضمير"، تابعت مئات الحالات، وتم الكشف عن مصير نحو 600 حالة، بينما لا يزال 420 معتقلاً مجهولي المصير تماماً داخل السجون الإسرائيلية. 
ووفقاً للبيانات المسجلة، يتوزع المفقودون جغرافياً على النحو الآتي:
•    الشمال: 17%
•    مدينة غزة: 26.4%
•    المنطقة الوسطى: 9.5%
•    خانيونس: 8.4%
•    رفح: 6.9%
•    غير محدد: 18%
ويعكس هذا الانتشار الجغرافي اتساع الظاهرة في مختلف مناطق القطاع.
 
 
قصة حيّة: تحرير ماضي… أمّ بين قبر وزنزانة
 
في منزلٍ أسودته النيران في خان يونس، تقف الأم تحرير ماضي أمام ركام لا يحمل سوى الأسئلة. في 23 فبراير/شباط 2024، اقتحمت قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي المنطقة، وبعد انسحابها لم يبقَ سوى منزل محترق وأثر جريمة غامض.
تحرير ماضي

 

بعد أربعة أيام، عادت الأم إلى المكان، وكانت أول من دخله. تصف المشهد قائلة:
"في غرفة كومة عظام، وفي أخرى ثلاث كومات… أربعة رفات بلا ملامح ولا هوية."
انتشلت فرق الدفاع المدني الرفات، لكن التعرف على أصحابها كان مستحيلاً. صدرت شهادات وفاة لأربع فتيات، بينهن ملاك (20 عاماً)، طالبة التمريض والمتطوعة في مستشفى ناصر الطبي.
أغلقت العائلة باب الحكاية على أنها شهادة واستشهاد.
لكن في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ظهر اسم ملاك ضمن قوائم الأسرى.
تحوّل الحزن إلى صدمة جديدة:
هل هي حيّة؟
أين هي؟
لا زيارة، لا اتصال، ولا معلومة مؤكدة.
ملاك، التي عادت مع شقيقها لإحضار كتبها وكتب "التوجيهي"، لم تعد. هو مفقود، وهي — وفق ما تسرب من أسماء — أسيرة بلا تفاصيل.
الأم اليوم تعيش بين احتمالين: قبر… أو زنزانة.
 
بيسان فياض… الجثمان الذي لم يحسم الحقيقة
 
ينشر المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً قضية الشابة بيسان فياض بوصفها نموذجاً صارخاً لمآسي سياسة الإخفاء القسري.
في يناير/كانون الثاني 2024، تسلّمت عائلة فياض جثماناً قيل إنه لبيسان، مرفقاً بملابسها وهويتها. كان وداعاً ثقيلاً وحداداً مغلقاً.
لكن لاحقاً، أُبلغت العائلة أن بيسان لا تزال حيّة، وأنها معتقلة داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، وتعاني شللاً نصفياً نتيجة إصابة في العمود الفقري.
بيسان

 

تحولت المأساة إلى صدمة مضاعفة:
هل دُفن جسد مجهول؟
وأين بيسان الآن؟
تكشف هذه الحادثة، وفق المركز، خطورة تسليم جثامين دون تحديد للهوية، وغياب آليات التحقق والكشف، ما يضاعف الألم الإنساني ويترك العائلات في دائرة شك لا تنتهي.
 
انتهاك مستمر للقانون الدولي
 
يُعد الإخفاء القسري، واحتجاز الأشخاص دون الكشف عن مصيرهم أو أماكن وجودهم، انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف. كما أن منع فرق الإنقاذ من الوصول إلى الضحايا تحت الأنقاض، أو تعطيل عمليات البحث، يفاقم حجم الكارثة الإنسانية.
في غزة، لا تعيش العائلات حداداً طبيعياً، ولا تملك يقين الحياة. تعيش في منطقة رمادية بين الموت المعلّق والغياب الذي لا اسم له.
ملف المفقودين والمخفيين قسراً في غزة ليس مجرد إحصائيات، بل حكايات بشرية معلّقة بين الركام والسجون الإسرائيلية. آلاف الأمهات والآباء ينتظرون اتصالاً، أو كشف اسم، أو خبراً قد يعيد ترتيب الألم. لكن حتى الآن، يبقى الانتظار هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة.
 
 
المراجع
1.    تصريحات الناطق باسم الدفاع المدني في غزة، محمود البصل.
2.    تصريحات مدير مجمع الشفاء الطبي، د. محمد أبو سلمية.
3.    بيانات المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً.
4.    بيانات وزارة الصحة الفلسطينية – إعلان 8 فبراير/شباط 2026 بشأن توثيق المفقودين.
5.    معطيات مركز "الضمير" لحقوق الإنسان حول المعتقلين مجهولي المصير.