يشكّل التعليم حقًّا إنسانيًّا أساسيًّا، لا يمكن التنازل عنه في أي ظرف، فهو ركيزة للصمود والتنمية وحفظ كرامة الإنسان، خصوصًا في مناطق النزاع والأزمات. وفي قطاع غزة، مثلت الحروب المتكررة والعدوان الأخير واقعًا صعبًا على العملية التعليمية، حيث أدى القصف والتدمير إلى تعطّل المدارس وحرمان مئات الآلاف من الطلاب من حقهم في التعلم، ما خلق فجوة تعليمية كبيرة تتطلب تدخلات عاجلة ومبتكرة.
الواقع التعليمي في ظل الحرب
لقد تسبب الاحتلال الإسرائيلي في حرمان نحو سبعمائة ألف طالب وطالبة من التعليم، وأسفر عن استشهاد 13,750 طالبًا، بالإضافة إلى تدمير 439 مدرسة، ما بين حكومية وأخرى تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). هذه الخسائر الكبيرة شكلت تهديدًا مباشرًا لمستقبل آلاف الأطفال، وفرضت على المجتمع الفلسطيني البحث عن حلول مبتكرة لضمان استمرار التعليم، رغم صعوبة الظروف وانعدام البنية التحتية التعليمية.
المبادرات التعليمية: استجابة إنسانية مبتكرة
انطلقت جهود مجتمعية وإنسانية واسعة لإنقاذ العملية التعليمية من الانقطاع الكامل. وقد كانت المؤسسة الدولية للتربية والعلوم والثقافة – إيسكو من أبرز الجهات الفاعلة في هذا المجال، حيث قامت بتنفيذ عشرات الخيم التعليمية والمراكز التعليمية، وأفتتحت خلال عام 2025 مدرستين تستوعبان نحو 2000 طالب، تدرّسان على فترتين، كما افتتحت مؤخرًا مدرسة ثالثة تستوعب أكثر من 500 طالب. هذه المبادرات شكلت نقطة أمل للطلبة الفلسطينيين، ووفرت لهم بدائل تعليمية ملائمة في ظل ظروف الطوارئ، سواء عبر الخيام التعليمية، أو المراكز المجتمعية، أو التعليم الافتراضي.
أشكال المبادرات التعليمية وأنماطها
تعد المبادرات التعليمية في غزة استجابة إنسانية مبتكرة لمواجهة الأزمة، حيث تم تصميمها لتكون مرنة وشاملة، قادرة على تلبية الحاجات التعليمية والنفسية والاجتماعية للطلاب، وتخفيف أثر الحرب عليهم. تنوعت هذه المبادرات بحسب الجهة المنفذة، فبعضها كان فرديًا، وبعضها جماعيًا، أو مؤسسيًا، أو عائليًا، كما تنوعت من حيث الأنماط التعليمية، فكانت علاجية لسد الفاقد التعليمي، أو تطويرية، أو متخصصة في مجالات مثل الفنون، المسرح، الرسم، والأشغال اليدوية، كما استهدفت المبادرات مختلف الفئات من الأطفال العاديين، وذوي الإعاقة، والأيتام، وأصحاب المواهب، وصولًا إلى طلبة الثانويات والجامعات، وحتى برامج تحفيظ القرآن والتعليم الافتراضي.

محتوى التعليم وممارساته داخل المبادرات
اعتمدت المبادرات التعليمية على محتوى متكامل يراعي التهيئة النفسية للطلاب، وتزويدهم بالمهارات الأساسية في اللغتين العربية والإنجليزية والرياضيات، واسترجاع محتوى السنوات السابقة، مع اعتماد المناهج الرسمية المعدلة للطوارئ أو رزم التعلم العلاجية، إضافة إلى تنمية المهارات الحياتية للطلاب. كما تبنت المبادرات أشكالًا تعليمية متنوعة، منها التعليم المسرّع، والتعليم العلاجي لسد الفجوات، والتعليم الشمولي والدامج، أو التعليم المختصر الذي يتماشى مع ظروف الطوارئ المتغيرة، مما وفر للطلاب فرصة التعلم المستمر رغم الظروف الاستثنائية.
المميزات الإنسانية للمبادرات
تميز التعليم في إطار هذه المبادرات بمرونته في المكان والزمان، حيث انتقل المعلمون والمبادرون إلى الطلاب في المخيمات ومراكز الإيواء، واستجابوا لحالات النزوح المتكررة، ووفّروا التعليم الشامل للجميع، بعيدًا عن التعقيدات الإدارية للبنية الرسمية. كما ساهمت هذه المبادرات في تعزيز التعافي النفسي والاجتماعي للطلاب، ومنحتهم فرصًا لتطوير مواهبهم وإبداعاتهم، بينما عملت على حشد المجتمع المحلي لدعم العملية التعليمية وضمان استدامتها بالاستفادة من الموارد المتاحة.
التحديات والعقبات
واجهت المبادرات العديد من التحديات والصعوبات، فقد كانت العملية التعليمية محفوفة بالمخاطر نتيجة القصف العشوائي للخيام التعليمية، والنزوح المتكرر للطلاب والمعلمين، ونقص الاحتياجات الأساسية والقرطاسية، إضافة إلى ضعف الدعم المالي للمبادرين، وعدم قدرة بعض الأسر على تلبية احتياجات أبنائها الأساسية، وهو ما يضع المزيد من المسؤولية على المجتمع الدولي والجهات المحلية لدعم هذه المبادرات.
مستقبل المبادرات التعليمية
في ضوء هذه التحديات، توسعت جهود استعادة التعليم مؤخرًا من خلال التعاون بين وزارة التربية والتعليم، ومنظمات دولية مثل اليونيسف، والمؤسسات المحلية، لتوفير المعلمين، ودفع أجورهم، وتأمين الاحتياجات الأساسية للمساحات التعليمية. وقد تم تسجيل 405 مساحات تعليمية رسمية لدى مجموعة التعليم وقت الطوارئ، يلتحق بها نحو 104,156 طالبًا، ما يظهر الحاجة الملحة لتوسيع نطاق المبادرات وضمان التحاق جميع الطلاب البالغ عددهم 700 ألف طالب بالتعليم. إن المبادرات التعليمية في غزة تمثل نموذجًا إنسانيًا مبتكرًا، وقد أظهرت كيف يمكن للمجتمع المحلي والمؤسسات الإنسانية تحويل الأزمات إلى فرص للتعلم، وتوفير بيئة تعليمية آمنة ومرنة، رغم الظروف القاسية، مع إمكانية تعزيز التعليم الشمولي والمستدام بالتعاون بين الحكومة، المجتمع المدني، والمنظمات الدولية.
مصادر :
المؤسسة الدولية للتربية والعلوم والثقافة – إيسكو
وزارة التربية والتعليم في فلسطين .
شبكة تمكين التعليم.