Skip to main content
آخر
الاخبار

مريم أبو دقة: الوجه الآخر للإنسانية

علي ضو

علي ضو

خبير ومستشار في الاعلام

 

في زمنٍ يُفترض أن تكون فيه حرية الصحافة خطًا أحمر، وأن تكون حياة الصحفيين مصونة بحكم المواثيق الدولية والقوانين الإنسانية، يُغتال صوتٌ آخر من أصوات الحقيقة في غزة. مريم أبو دقة، الصحفية التي لم تعرف إلا طريق الكلمة الصادقة والصورة الموجعة، رحلت برصاص الاحتلال، لتصبح هي نفسها خبرًا بعد أن اعتادت أن تنقل الأخبار.

مريم لم تكن صحفية تقليدية، ولم تكن مجرّد ناقلة للمشاهد. كانت تجسّد الوجه الآخر للصحافة، الصحافة التي تبحث عن الإنسان خلف الخراب، وعن الوجع في عيون الأطفال، وعن الأمل في بقايا البيوت المهدّمة. لم تكتفِ بالحديث عن القصف وأرقام الضحايا، بل نقلت معاناة العائلات التي تفترش الأرض وتلتحف السماء، وصوت الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، والأطفال الذين وُلدوا في ظل الحصار ولا يعرفون سوى الحرب.

اغتيال مريم مع زملائها وعلى الهواء مباشرة ،  لم يكن مجرد جريمة حرب جديدة في سجل الاحتلال، بل كان عملية ممنهجة لإسكات الحقيقة. فإسرائيل، التي تملك ترسانة إعلامية ضخمة ودعمًا سياسيًا واسعًا، تعرف أن الكلمة الصادقة أكثر فتكًا من الرصاص، وأن الصورة التي تحمل دموع الأطفال أصدق من آلاف التصريحات الرسمية. ولذلك، كان لزامًا عليها أن تصمت هذا الصوت الذي فضح جرائمها أمام العالم.

لكن الأكثر إيلامًا من الاغتيال نفسه، هو صمت العالم. لم يتحرّك الضمير الإنساني كما تحرّك في أماكن أخرى. لم نرَ موجة الغضب الدولية التي عادة ما ترافق استهداف الصحفيين في بقاع مختلفة من العالم. لم نسمع الإدانات الصاخبة التي تُطلق عندما يكون الضحية صحفيًا أوروبيًا أو غربيًا. وكأن حياة الصحفي الفلسطيني لا تستحق أن تُذكر، وكأن دماءه لا تدخل في حسابات الإنسانية التي يُفترض أنها شاملة وعابرة للحدود.

وهنا تبرز المفارقة المؤلمة: مريم أبو دقة كانت الوجه الآخر للإنسانية التي غابت عن نصرتها. كانت رمزًا للصحافة التي تحاول أن تُعيد تعريف الإنسان وسط مشاهد الحرب، فيما تركها العالم وحيدة في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية.

هذه الازدواجية ليست جديدة. فهي الوجه الآخر لمنظومة دولية تقيس العدالة بميزان المصالح، وتمنح التعاطف وفق الجغرافيا والهوية. مريم كانت تعرف هذا، لكنها لم تيأس. كانت تدرك أن دورها يتجاوز نقل الحقيقة إلى العالم، بل يكمن أيضًا في توثيقها لشعبها وللأجيال القادمة. كانت تقول من خلال عملها إن الاحتلال قد ينجح في قتل الجسد، لكنه لن يقتل الكلمة، ولن يمحو ذاكرة الصورة.

اليوم، ونحن نكتب عن مريم أبو دقة، لا نكتب فقط عن صحفية شجاعة رحلت. نكتب عن معنى أن تكون الصحافة في فلسطين ميدانًا للمقاومة، لا مهنة فقط. نكتب عن الكلمة التي تتحول إلى رصاصة في وجه الطغيان، وعن الصورة التي تكشف المستور وتحرج العالم الذي يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان.

لقد أراد الاحتلال أن يغتال مريم، فحوّلها إلى رمز. وأراد أن يصمت صوتها، فجعله صرخة مدوّية. وأراد أن يمحو أثرها، فكتب اسمها في سجل الشرف، إلى جانب كل الصحفيين الذين آمنوا أن الحقيقة أثمن من الحياة.

وهكذا ستبقى مريم أبو دقة الوجه الآخر للإنسانية: الإنسانية التي فشلت في حمايتها، لكنها خلدتها في الذاكرة، لتكون شاهدًا على أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن الكلمة تبقى أثقل من المدفع، وأبقى من الرصاص.